شفق نيوز- ترجمة خاصة
خاضت اليابان تجربتَي الدمار والإعمار، فيما لا يزال بإمكان العراق التعلُّم من هذا الدرس الصعب، على الرغم من أن موقع "ميدل إيست مونيتور" البريطاني يعتبر أن المعضلة التي يواجهها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أكثر صعوبة، حيث قد لا يمكنه النجاح ما لم يقتنع العراقيون أنفسهم بذلك، أسوة بما جرى مع اليابان منذ 100 عام وخلالها.
وأوضح الموقع البريطاني في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن الأمم تتعلّم من الجروح التي تنجو منها، وهو ما فعلته اليابان مرتين، حيث كاد الدرس الأول أن يدمرها، بينما ساهم الثاني في نهوضها وإعمارها، في حين أن العراق لم يتعلّم من أيٍّ من الدرسين الصعبين.
وحول الدرس الياباني الأول، قال الموقع إنه في 8 تموز/ يوليو العام 1853، دخلت 4 سفن حربية أميركية تحت قيادة العميد ماثيو بيري ميناء أُوراغا الياباني، ورفض العميد بيري المطالب اليابانية بأن يُبحر بسفنه إلى ناغازاكي، باعتبار أنه الميناء الوحيد المفتوح أمام الأجانب.
ولفت التقرير إلى أن العميد الأميركي لم يُطلق النار لأنه لم يكن بحاجة إلى ذلك، حيث كان التهديد وحده كافياً، موضحاً أن نظام حكم شوغونية توكوغاوا وقتها، الذي شهد إهانة الصين فيما عُرف باسم "حرب الأفيون" قبل عقد من الزمان، فهم الحسابات، وهي أن المقاومة تعني الخراب، والامتثال يكسب لليابانيين المزيد من الوقت، بدلاً من اختبار مدافع العميد بيري، ثم بدأ بهدوء في إعداد دفاعات اليابان.
وأوضح التقرير أن اليابان لم تتعرض للغزو في العام 1853، وإنما جرى إقناعها أمام مشهد القوة الساحقة، وكان الإقناع أقل كلفة من الحرب، ومهّد ذلك لمرحلة "إصلاحات ميجي" السياسية والاقتصادية والاجتماعية بعد 15 سنة، وأصبحت العلوم هي الأساس، حيث بدأت اليابان ترسل مبدعيها إلى برلين من أجل الطب، وإلى لندن من أجل الهندسة البحرية، وباريس من أجل القانون، وقامت الجامعات وأحواض بناء السفن التي مهّدت لقيام البحرية المعاصرة.
ولفت التقرير إلى أن البحرية اليابانية تمكنت بعد ذلك بقليل، وتحديداً في العام 1905، من تدمير أسطول البلطيق الروسي خلال يوم واحد في مضيق تسوشيما، وهو ما وُصف بأنه أعظم انتصار بحري منذ معركة ترفالغار، حيث نجحت قوة آسيوية للمرة الأولى في العصر الحديث في تدمير قوة أوروبية في معركة بحرية.
إلا أن التقرير أشار إلى أن القصة اتخذت مساراً مغايراً، حيث إن اليابان، وبدلاً من أن تتعلّم من انتصارها هذا الانضباط، فإنها تعلّمت نشوة القوة، ولذلك قامت لاحقاً بغزو منشوريا ثم الصين، ثم ضربت بيرل هاربر في كانون الأول/ ديسمبر 1941، مرتكبة خطأ الغطرسة.
أما الدرس الثاني، فقال التقرير إنه جرى يومَي 6 و9 آب/ أغسطس 1945، في مدينتَي هيروشيما وناغازاكي، عندما ألقى الأميركيون قنبلتين نوويتين، والإمبراطورية اليابانية التي كانت تحارب ضد قوى أوروبية قبلها بأربعة عقود أصبحت الآن في حالة خراب، وخاضعة لاحتلال، وجرى نزع سلاحها.
لكن التقرير تابع أن اليابان تعلّمت الدرس هذه المرة، حيث توصلت إلى خلاصة مختلفة، وهي أن القوة لها حدود، والمجد العسكري يُفلس صاحبه، وبناء القوة الوطنية في المصانع أفضل منه في بناء الأساطيل. وأشار إلى أن اليابان أعادت بناء نفسها كقوة اقتصادية بدلاً من القوة العسكرية، وتحولت خلال جيل واحد إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بلا جيش قادر على استخدام القوة في الخارج.
الفرصة الأولى للعراق
وقال التقرير إنه فيما يتعلق بالعراق، فإن القوات البريطانية احتلت بغداد في العام 1917، وقامت بما لا تقوم به السلطات الانتدابية إلا نادراً، حيث بنت العراق، وشهدت البلاد في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين تطوراً سريعاً في الري والبنية التحتية النفطية والتعليم والزراعة، وذلك خلال عهد رئيس الوزراء نوري سعيد الذي كان يدرك أن التنمية، وليس المواجهة، هي الطريق الأضمن للسيادة.
وتابع التقرير أن نوري السعيد لم يستمر بعدما أنهى انقلاب عبد الكريم قاسم النظام الملكي في العام 1958، وجرى قتل السعيد وسحل جثته في الشوارع، مضيفاً أن ما جرى بعد ذلك لم يكن درساً ثانياً للعراق، وإنما سقوطاً، حيث صار انقلاب يتبع انقلاباً، ثم حرب مع إيران، ثم ضم الكويت، ثم أخيراً حرب العام 2003.
وبحسب التقرير، فإن أهم مقولة صينية تتعلق بالدولة هي: "أخفِ قوتك وانتظر وقتك"، التي اعتمدها الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ، الذي اعتمد الصبر الاستراتيجي والانضباط لبناء القوة بهدوء قبل الكشف عنها قبل أوانها، مضيفاً أن اليابان لم تتعلم هذا المبدأ سوى بعد قنبلة هيروشيما، وبكلفة لا ينبغي لأي دولة أن تدفعها لكي تتعلم أي شيء.
وتساءل التقرير عمّا إذا كان العراق قد تعلّم ذلك على الإطلاق، مذكّراً بأن الحياة السياسية العراقية منذ العام 1958 كانت عكس نصيحة دينغ تقريباً، حيث تم التعبير عن القوة قبل أوانها، وتم اختيار الحرب عندما كان الصبر متاحاً، بينما كانت قومية عبد الكريم قاسم وحروب صدام حسين، وتزاحم "الميليشيات" على السلطة بعد عام 2003، فشلاً في فكرة انتظار الوقت الملائم.
أما حول الاختبار العراقي، بحسب التقرير البريطاني، فقد أشار إلى زيارة الزيدي إلى واشنطن، حيث يرافقه قادة الأعمال مع أجندة مبنية حول الاستثمار الأميركي في الطاقة والبنية التحتية، وتعهد سيطرة الدولة على السلاح، وانتهاء مهمة "التحالف"، إلا أن التحدي صدر من موطنه في العراق، حيث إنه قبل ساعات من مغادرة طائرة الزيدي بغداد، رفضت "المقاومة الإسلامية في العراق" الزيارة رفضاً قاطعاً، محذرة من استبدال الاحتلال العسكري بما وصفته باحتلال اقتصادي أكثر خطورة.
ولفت إلى أن خيار الزيدي هو بين الانحياز إلى واشنطن أو الاقتراب من طهران، حيث لا يوجد مجال كبير للمناورة، مضيفاً أن هذا الاختبار لم تواجهه اليابان أبداً بهذا الشكل. وأضاف أن الدرس الثاني لليابان نجح لأن اليابانيين أنفسهم استوعبوه، حيث إنه لم يكن من الممكن أن تفرض أي قوة احتلال قرار بناء شركات "سوني" و"تويوتا" بدلاً من البوارج الحربية.
والآن، يقول التقرير إن معضلة الزيدي تتمثل في تحد أكثر صعوبة، حيث يتحتم عليه ترجيح كفة إعادة الإعمار المدني على النزعة العسكرية، بينما تصر قاعدة مسلحة محلية، مدعومة من دولة مجاورة، على أن عملية نزع السلاح بحد ذاتها هي الفخ.
وختم التقرير قائلاً إنه إذا كان العراق يريد استخلاص نموذجه الخاص من درس اليابان الثاني، فإن ذلك لن يأتي من راعٍ خارجي يفكك الميليشيات نيابة عنه، ولن يتحقق إلا عندما يستنتج العراقيون أنفسهم، كما فعلت اليابان بعد الحرب، أن السلام والتعليم والبناء الهادئ يتفوقون على النزعة العسكرية، وأن العلاقات الجيدة مع الجيران تكلّف أقل من المواجهة الدائمة.
وتابع قائلاً إن الموعد النهائي للزيدي في 30 أيلول/ سبتمبر المقبل هو أول اختبار حقيقي لما إذا كان هذا الاستنتاج قد ترسّخ، أو لا يزال، كما هو الحال منذ العام 1958، مفروضاً من الخارج ومرفوضاً من الداخل. وأضاف أن اليابان واجهت سحابة الفطر النووي لتتعلم هذا الدرس، والأمل بالنسبة للعراق هو أنه قد يتعلمه بدون ذلك.