شفق نيوز- ترجمة خاصة

تسعى بغداد إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية وقطاع الطاقة مع واشنطن، مدفوعة بحاجات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز تطبيع العلاقات السياسية، في وقت تتجه فيه شركتا "شيفرون" و"كونوكو فيليبس" الأميركيتان إلى توسيع حضورهما في قطاع النفط العراقي، عبر مسارات استثمارية مختلفة تشمل الحقول المنتجة والبنية التحتية للتصدير.

ورغم الإعلان عن اتفاقات ومذكرات تفاهم تتجاوز قيمتها الإجمالية 60 مليار دولار خلال قمة الأعمال الأميركية-العراقية التي عُقدت في واشنطن في تموز/ يوليو 2026، فإن هذه القيمة لا تعني أن الأموال دخلت العراق فعلياً، إذ تشمل الاتفاقات الملزمة والشراكات ومذكرات التفاهم ومشاريع محتملة لم تُنفذ بعد.

وبحسب تقرير نشره موقع "ناشونال إنترست" ترجمته وكالة شفق نيوز، فإن حزمة الاتفاقات التي أُعلنت خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن شملت أكثر من 50 اتفاقاً ومذكرة تفاهم في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتمويل والرعاية الصحية، بمشاركة شركات من بينها "شيفرون" و"كونوكو فيليبس" و"بي بي" و"جنرال إلكتريك فيرنوفا" و"شل" و"كيه بي آر".

ويمتلك العراق نحو 145 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، أي ما يقارب 9% من الاحتياطيات العالمية، لكنه لا يزال يعتمد على عدد محدود من مسارات التصدير، ما يجعله عرضة للتأثر بالتطورات الأمنية والإقليمية التي قد تعرقل وصول نفطه إلى الأسواق العالمية.

كركوك – جيهان

تمر معظم صادرات النفط العراقي عبر الخليج، ما يجعلها مرتبطة بالأوضاع الأمنية في مضيق هرمز، ويمتلك العراق تاريخياً منافذ تصدير أخرى عبر تركيا وسوريا والسعودية، تتيح الوصول إلى البحر المتوسط والبحر الأحمر.

ويُعد خط كركوك-جيهان، الممتد لنحو 986 كيلومتراً، أحد أهم مسارات تصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط، وبعد توقفه إثر هجمات استهدفت الجانب العراقي عام 2014، استأنف الخط عملياته في عام 2026، بواقع تدفقات أولية بلغت نحو 170 ألف برميل يومياً، قبل أن تصل صادرات النظام الشمالي إلى قرابة 250 ألف برميل يومياً أواخر أيلول/ سبتمبر 2026.

وبذلك، لا يمثل خط كركوك-جيهان مساراً مفقوداً، بل ممراً أُعيد تشغيله ولم يبلغ بعد طاقته التصميمية. في المقابل، توقف خط كركوك-بانياس، الذي كان ينقل النفط عبر سوريا إلى البحر المتوسط، منذ عام 2003، رغم أن طاقته التصميمية تبلغ نحو 700 ألف برميل يومياً. كما أن خط أنابيب العراق عبر السعودية، المعروف باسم "آي بي إس إيه"، والبالغة طاقته نحو 1.65 مليون برميل يومياً، لا يزال معطلاً.

ومن بين مسارات التصدير الشمالية والغربية الثلاثة التي اعتمد عليها العراق تاريخياً، بات خط كركوك-جيهان المسار البديل الرئيسي العامل حالياً.

وتندرج خطط إنشاء وصلة جديدة إلى ميناء بانياس السوري وزيادة التدفقات عبر كركوك - جيهان ضمن مساعي بغداد لبناء شبكة تصدير أكثر مرونة، لا تقتصر على زيادة المبيعات، بل تتيح نقل كميات أكبر من النفط عبر منافذ مختلفة.

حقول كركوك

هذا وتتبع شركة "كونوكو فيليبس" مساراً مختلفاً، يركز على إعادة تطوير الحقول المنتجة في شمال العراق.

وفي 17 تموز/ يوليو، أعلنت الشركة اتفاقاً مع "بي بي" للاستحواذ على حصة تبلغ 42% في شركة (بي بي إنرجي كومباني أوف كركوك ليمتد)، وتشمل الصفقة تطوير وإنتاج النفط من قبتي بابا وأفانا في حقل كركوك، إلى جانب حقول باي حسن وجمبور وخباز، التي تتجاوز مواردها القابلة للاستخراج، وفق التقديرات الأولية الإجمالية، 3 مليارات برميل من المكافئ النفطي.

ومن المتوقع إتمام الصفقة بحلول نهاية عام 2026، رهناً بالحصول على الموافقات اللازمة واستيفاء شروط الإغلاق.

وبدلاً من تطوير حقل جديد من الصفر، تسعى كونوكو فيليبس إلى زيادة العوائد من البنية التحتية القائمة، فيما تتيح الصفقة لشركة بي بي إعادة هيكلة محفظتها الاستثمارية وتوجيه رأس المال إلى مجالات أخرى.

ويكمن الاختلاف الاستراتيجي بين الشركتين في أن شيفرون تتفاوض لتولي تشغيل حقل نفطي كبير، بينما تخطط كونوكو فيليبس للمشاركة في زيادة الإنتاج عبر حصة أقلية ضمن محفظة حقول قائمة.

حقل غرب القرنة 2

في المقابل، تتمثل إحدى أبرز فرص شركة "شيفرون" في العراق في حقل غرب القرنة 2، الذي تديره شركة "لوك أويل" الروسية، وتبلغ طاقته الإنتاجية نحو 460 ألف برميل يومياً.

وفي شباط/ فبراير 2026، وضعت الحكومة العراقية إطاراً أولياً لتمكين شيفرون من تولي الحقل، لكنه لم يشكل اتفاق استحواذ نهائياً أو نقلاً مكتملًا لحق التشغيل.

وفي 13 أيلول/ سبتمبر، وقعت وزارة النفط العراقية اتفاقاً مع شيفرون لتقديم خدمات استشارية فنية إلى شركة نفط البصرة، بما يسمح للشركة بالمشاركة بصورة أوسع في المفاوضات المتعلقة بشروط تطوير الحقل. غير أن توليها تشغيل غرب القرنة 2 لا يزال مرهوناً بإبرام عقد نهائي.

ولا تتوقف فرص شيفرون عند حجم الإنتاج، إذ ستتحدد الجدوى التجارية للاستثمار أيضاً وفق شروط استرداد التكاليف وتقاسم الإيرادات والمرونة التشغيلية.

كما تمتد مباحثات الشركة إلى حقل الناصرية وأربع رقع استكشافية في محافظة ذي قار وحقل بلد، ما يشير إلى سعيها لبناء محفظة أوسع في أنشطة الاستكشاف والإنتاج، بدلاً من الاعتماد على أصل نفطي واحد.

خطوط التصدير

هذا وتمنح مشاركة شيفرون في مشاريع البنية التحتية المحتملة للتصدير بُعداً استراتيجياً أوسع لأنشطتها في العراق. فقد ارتبط اسم الشركة بمبادرة لدراسة خيارات إنشاء خطوط أنابيب تربط جنوب العراق، مروراً بحديثة، بميناء جيهان التركي وميناء بانياس السوري.

وفي 17 تموز/ يوليو 2026، وقّع العراق وسوريا مذكرة تفاهم لإعادة تأهيل خط أنابيب النفط العراقي-السوري وإعادة بنائه، وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن ائتلافاً دولياً تقوده الولايات المتحدة سيتولى الأعمال الفنية والمالية، فيما أفادت تقارير بأن شيفرون وشركة «يو سي سي» القطرية و«تي آي كابيتال» من بين الجهات المشاركة فيه.

وطرحت قدرة نقل مستهدفة تصل إلى مليوني برميل يومياً بعد إعادة التأهيل، إلا أن هذه الكمية تمثل هدفاً مستقبلياً وليست الطاقة الحالية للخط، كما أن بلوغها يعتمد على تنفيذ المشروع.

ورغم أن ربط العراق بميناء بانياس قد يوفر قيمة استراتيجية، فإن حجم النقل المستقبلي والجدول الزمني لتشغيل المسار لا يزالان غير محسومين. ويتوقف التنفيذ على توفير التمويل، والحالة الفنية للبنية التحتية، والاتفاقات بين العراق وسوريا، فضلاً عن الأوضاع الأمنية.

كما أن اتفاقات الحقول النفطية ومشروع خط الأنابيب عمليتان منفصلتان؛ إذ لا يضمن التقدم في إحداهما اكتمال الأخرى، وفقا لتقرير "ناشونال إنترست".

العقود والتنفيذ

في غضون ذلك، تعكس تحركات شيفرون وكونوكو فيليبس أن عودة الشركات الأميركية إلى قطاع النفط العراقي لا تسير وفق نموذج استثماري واحد، فشيفرون تجمع بين احتمال تولي تشغيل حقل كبير والمشاركة في مشاريع مسارات التصدير، بينما تركز كونوكو فيليبس على حصة في تطوير مجموعة من الحقول القائمة.

ومن شأن توسيع نشاط الشركات الأميركية أن يعزز العلاقات الاقتصادية بين بغداد وواشنطن، ويزيد حضور الشركات الأميركية في قطاع الطاقة العراقي. لكن قرارات الاستثمار ستعتمد بدرجة أكبر على شروط العقود وكلفة المشاريع والقدرة على نقل الإنتاج إلى الأسواق، لا على التوافق السياسي وحده.

وسيكون حسم مفاوضات غرب القرنة 2، وإتمام صفقة كونوكو فيليبس في كركوك، والتقدم في تمويل وتنفيذ مسارات التصدير البديلة، مؤشرات رئيسية على مدى تحول الاتفاقات المعلنة إلى نتائج تجارية فعلية.

وختم التقرير الأميركي، بالإشار إلى أن التحدي الأساسي أمام العراق، يتمثل في "تحويل الالتزامات السياسية والتجارية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ ومجدية اقتصادياً"، إذ لا يمكن التعامل مع القيمة المعلنة للاتفاقات بوصفها تدفقات رأسمالية فعلية قبل استكمال العقود والتمويل والبنية التحتية.