شفق نيوز- طهران
بعد شهر على اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد تداعيات المواجهة تقتصر على الضربات العسكرية والخسائر المباشرة داخل ساحات القتال، بل ارتكز إلى واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فمضيق هرمز، الذي ظل لعقود شرياناً رئيسياً لتدفق النفط والغاز، يشهد الآن تراجعاً حاداً في حركة السفن، في مؤشر يثير قلقاً متزايداً بشأن اتساع أثر الحرب إلى الاقتصاد العالمي.
ووفق ما أوردته وكالة تسنيم الإيرانية استناداً إلى بيانات تتبع الملاحة، فإن عدد السفن التي كانت تعبر المضيق يومياً، وكان يتراوح قبل الحرب بين 130 و140 سفينة، انخفض تدريجياً مع تصاعد التوترات، إلى أن هبط في بعض الفترات إلى أقل من 10 سفن يومياً. وفي أوقات معينة، اقتصر العبور على بضع سفن فقط، وهو ما وصفه عاملون في قطاع الشحن بأنه تطور نادر في أحد أكثر ممرات الطاقة ازدحاماً في العالم.
هذا التراجع، بحسب التقرير الذي ترجمته وكالة شفق نيوز، لا يعكس مجرد تباطؤ مؤقت في الملاحة، بل يكشف عن مناخ متزايد من القلق داخل أسواق الشحن والطاقة. فقد دفعت المخاطر الأمنية المتصاعدة، وارتفاع أقساط التأمين، وانسحاب بعض شركات النقل من المنطقة، كثيراً من السفن إلى التوقف داخل مياه الخليج أو تجنب هذا المسار من الأصل. وحتى إجراءات مثل المرافقة العسكرية لم تنجح، حتى الآن، في إعادة حركة العبور إلى مستوياتها المعتادة.
بالمقابل، فالتقديرات الواردة عبر تقرير لبلومبرغ تشير إلى أن العالم قد يكون أمام واحدة من أكبر صدمات الإمداد النفطي في تاريخه الحديث إذا استمر إغلاق المضيق أو تعطله الفعلي.
ونقل التقرير عن متعاملين ومديرين وخبراء في قطاع الطاقة أن الأسواق لم تستوعب بعد الحجم الكامل للأزمة، مع مقارنة بعضهم الوضع الراهن بصدمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، بل والقول إن التداعيات هذه المرة قد تكون أشد تعقيداً بسبب الترابط الأعمق بين أسواق الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
ويكتسب هذا القلق وزنه من حقيقة أن مضيق هرمز يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من شحنات الغاز الطبيعي المسال. ويعني أي تعطيل طويل الأمد في هذا المسار، وفق التقرير، فقدان ملايين البراميل يومياً من الإمدادات، في وقت لا تبدو فيه البدائل قادرة على سد الفجوة سريعاً.
كما أن الغاز الطبيعي المسال يواجه وضعاً أكثر هشاشة، إذ لا توجد له مسارات بديلة فعالة بالقدر نفسه، بينما تبقى المخزونات الاستراتيجية محدودة.
وبدأت آثار هذا الاضطراب تظهر بالفعل خارج الخليج. فالتقرير يشير إلى بوادر نقص في الوقود في دول آسيوية مثل تايلند وباكستان، فضلاً عن اضطرابات في أستراليا وبعض الأسواق الأخرى، مع شروع حكومات في إجراءات لتقنين الاستهلاك أو إدارة الإمدادات بحذر أكبر.
كما حذر محللون من أن أوروبا قد تجد نفسها قريباً أمام ضغوط متزايدة في تأمين شحنات الديزل والوقود، إذا استمر الوضع على حاله لأسابيع إضافية.
ورغم أن أسعار النفط لم تصل بعد إلى ذروة الذعر في الأسواق، فإن التقرير يشير إلى أنها ارتفعت بنحو 55 بالمئة منذ بداية الحرب، فيما سجلت أسعار بعض المشتقات، مثل الديزل ووقود الطائرات، قفزات حادة.
وتزداد المخاوف من أن استمرار الأزمة قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، مع تداول تقديرات في الأوساط المالية تتحدث عن احتمال بلوغ النفط 200 دولار للبرميل إذا طال أمد الانسداد.
لا تبدو أزمة هرمز، كما يعرضها التقرير، مجرد انعكاس جانبي للحرب، بل علامة على انتقال الصراع إلى مستوى جديد تمس تداعياته حياة المستهلكين والاقتصادات حول العالم.
وإذا استمر هذا الاختناق في أحد أهم شرايين الطاقة الدولية، فقد لا يقتصر أثره على أسعار الوقود فحسب، بل يمتد إلى التضخم، والنمو، وحركة التجارة، وربما إلى شكل النظام الاقتصادي العالمي نفسه في الأشهر المقبلة.