شفق نيوز- ترجمة خاصة
تساءلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عما إذا كانت الاعتقالات ومصادرة المضبوطات المالية التي نفذتها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، ستؤدي إلى تفكيك "إمبراطورية" الفساد وإضعاف دويلات قوى النهب داخل العراق، فيما تدعم واشنطن تحرك الزيدي إلى جانب القضاء.
وذكرت الصحيفة في تقرير ترجمته وكالة شفق نيوز، أن الاعتقالات بحق الفاسدين قوبلت بشماتة كبيرة من جانب العراقيين، الذين إذا كانوا يتفقون على مسألة ما، من مختلف الطوائف والأعراق والخلفيات الاجتماعية، فهي مدى فساد وتعفن الأحزاب السياسية وجشع زمرة من زعماء الأحزاب ورجال الأعمال وقادة الميليشيات.
كما ذكّر التقرير بتأكيد الزيدي، يوم تنصيبه، أن المسألتين الأكثر إلحاحاً هما نزع سلاح الفصائل ومكافحة الفساد من دون خطوط حمراء"، مبيناً أنه في ظل خلو خزينة الدولة تقريباً بعد التعطل الكبير في الصادرات النفطية بسبب الحرب على إيران، فإن هاتين المسألتين، أي الميليشيات والفساد، مترابطتان، وفي ظل الحرب، تهددان الدولة نفسها.
وأشار إلى أن الزيدي، مثل رئيس الوزراء الذي سبقه، والشخص الذي سبقه، أعلنوا الكشف عن شبكات فساد واسعة، لكنهما انتهيا من منصبيهما وهما غارقان في اتهامات فساد خاصة بهما، بينما بقيت الخدمات العامة في البلد في حالة خراب.
ونقل التقرير عن مصدر مطلع على الحكومة قوله إن "هذا ليس مجرد شيء يفعله كل رئيس وزراء، هذا غير مسبوق، وهو زلزال حقيقي داخل الأوساط السياسية، لأنه إشارة إلى كل السياسيين حول ما يمكن أن يحدث لهم.. وللجميع، دون استثناء"، موضحاً أن الذي يجري هو أن رئيس وزراء يحاول تفكيك الإمبراطوريات المالية للأحزاب السياسية.
وأضاف أنها إمبراطوريات قائمة على الفساد وواضحة، ومتورط فيها كل سياسي بلا استثناء، مبيناً أنه عندما تختار أربعة أو خمسة منهم وتضرب، فإنك بذلك ترسل رسالة إلى الجميع بأن ما حدث لهؤلاء الأشخاص يمكن أن يحدث لكم جميعاً.
ولفت التقرير إلى نظام المحاصصة القائم وتقاسم السلطة في العراق منذ ما بعد غزو 2003، نقل عن مصرفي دولي، عُيّن من قبل حكومة سابقة للمساعدة في تنظيف النظام، مؤكداً أن الأحزاب بنت دويلات داخل الدولة.. ومن المحتمل أن يكون لدينا سبع أو ثماني دويلات صغيرة تستحوذ على ما بين 5% و10% من كل عقد حكومي.
وبشأن كيفية تقاسم السلطة والمناصب في العراق، قال التقرير، إنه في كانون الثاني/يناير 2025، عُيّن عدنان الجميلي نائباً لوزير النفط مسؤولاً عن المصافي، وإنه جرى الاحتفاء بارتقائه وظيفياً وكفاءته، وظهر في العديد من مشاهد الفيديو جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء وقتها محمد شياع السوداني، الذي كان يقص شرائط افتتاح المشاريع ويعرض إنجازات حكومته، بينما يقف إلى جانبه الجميلي مبتسماً ويطلعه على التفاصيل، وفي أحد المقاطع، ظهر الجميلي وهو يحصل على جائزة "الموظف المثالي" من السوداني.
وتابع: "بعد فترة وجيزة من خسارة السوداني محاولته لتولي ولاية ثانية وأصبح الزيدي رئيساً للوزراء، انهار كل شيء، وكان الجميلي أول من جرى احتجازه، ووُزعت له صورة وهو يرتدي بذلة صفراء، محاطاً بعشرات البنادق الرشاشة وصناديق الذخيرة، بينما لفت المحققون إلى أنهم استعادوا أيضاً 10 ملايين دولار نقداً، و3 مليارات دينار، أي نحو مليوني دولار، و1.5 كيلوغرام من الذهب، إلى جانب نحو 40 عقاراً في أنحاء بغداد والمحافظات الأخرى".
وبحسب التقرير، فإن التحقيقات أظهرت أن الجميلي أدار مخططاً حقق مئات الملايين من الدولارات، بينما قال الزيدي خلال لقاء مع صحفيين إن الجميلي حاول رشوته قبل اعتقاله بمبلغ 200 مليون دولار للحفاظ على منصبه، فيما تحدثت تقارير عن عرض رشوة بلغ 600 مليون دولار، مضيفاً أنه من غير المعروف ما إذا كان الجميلي هو العقل المدبر لكل الفساد، أو أنه وقع ضحية مخطط وُضع له سابقًا، إلا أنه أضاف أن الجميلي، ومنذ وصوله إلى وزارة النفط، بدأ في جمع عمولات ضخمة من العقود والجوائز التي تم تسليمها إلى الشركات والمقاولين، ومن شحنات الوقود المحوّلة ومع اقتراب انتخابات العام الماضي، تحوّل الجميلي إلى قناة لتقديم ملايين الدولارات للمرشحين، وكثير منهم على قائمة رئيس الوزراء، وإن لم يكن جميعهم.
ونقل التقرير عن أحد السياسيين قوله إن "العديد من الأطراف جاءت واستفادت من العمل مع الجميلي، وأن كل هذا كان حماية لنفسه"، لافتاً إلى توسع علاقاته بالأحزاب السياسية، وليس فقط مع الكتلة السنية التي رشحته، ولكن أيضاً، مع رؤسائه في وزارة النفط وفي مكتب رئيس الوزراء، وصار يشعر بأنه لا يمكن المساس به.
وبحسب السياسي نفسه، فإن الجميلي، مع تزايد التغطية السياسية التي يتمتع بها، بدأ في ارتكاب أخطاء كارثية، حيث كان يقول لنفسه إنه من المستحيل على أي شخص أن يمس به، ولذلك بدأ في ارتكاب الأخطاء، بما في ذلك تزوير عمليات تسليم المستودعات، وتحويل الوقود لإنشاء مخزون تخزين وهمي لم يكن موجوداً، كما بدأ الحديث عن الآلاف من العمال اليوميين الوهميين الذين تم دفع أجورهم، على الرغم من أنهم لم يكونوا موجودين أساساً.
ونقل التقرير عن المصدر نفسه قوله إن قضية عدنان الجميلي هي نموذج للطريقة التي تُدار بها الأمور، والطريقة التي تعمل بها عملية وضع أشخاص في مناصب معينة، وهي مناصب مسؤولة عن توليد إيرادات كبيرة، بشكل غير قانوني، لحزب أو لعدة أطراف.
ووفقاً للمطلعين على الحكومة وأعضاء في مجلس النواب ومصدر قريب من القضاء، فإن الأميركيين، الذين سئموا من التعامل مع سياسيين يفشلون في تحقيق أي إصلاحات، قد بنوا علاقة بدلاً من ذلك مع القضاء العراقي، حيث لعب المبعوث الأميركي توم باراك دوراً نشطاً، بتشجيع من تصريحات القضاء الحازمة بشكل متزايد بشأن احتكار الدولة للسلاح، وفقاً للتقرير.
وأضاف التقرير أنه طوال شهور، بحث المحققون عن قضية فساد يمكن الكشف عنها علناً، وكان التحدي يتمثل في العثور على شخصية من شأنها، عند الكشف عنها، أن تتصدر عناوين الصحف محليًا ودوليًا، مع ضمان ألا تؤدي تداعيات القضية إلى إسقاط النظام السياسي بأكمله، وكانت قضية الجميلي مثالية، إذ إنها تظهر تورط عدد من السياسيين البارزين، لكنها لا تسمي رؤساء الأحزاب الكبار.
وبين أحد المسؤولين: "أنت لا تعرف، في نهاية الأمر، إذا واصلت الضغط على هذه الأحزاب، فماذا قد تفعل الفصائل المسلحة؟ وماذا قد تفعل إيران؟"، مشيراً إلى أن "القضية لمست عصباً حساساً للأميركيين، على وجه التحديد، وهو الجانب المتعلق بتهريب النفط".
وأكد المصدر الحكومي: "فكرة أن الأطراف تعتاش على الحصص التي تتلقاها من الدولة ومن خلال المشاريع واللجان وما إلى ذلك، يجب أن تنتهي، ويجب إغلاق هذا الفصل. وأعتقد أن هذا هو أهم شيء يمكن أن يحدث في تاريخ العراق الحديث"، موضحاً أن الإتيان بالزيدي، أو على الأقل الدعم الذي يحصل عليه من الولايات المتحدة والقضاء، جرى حسابه على وجه التحديد من أجل هذه اللحظة، فهو شخص لديه خبرة ومعرفة كافية بالآليات المشاركة في توجيه الأموال خارج الدولة، ويعرف كيف يتم تهريب الأموال وتوجيهها واستخراجها من خلال العقود والمشاريع والعمولات وما إلى ذلك.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة قولها: "لا توجد ضمانات بأن الفساد سينتهي، وأن الأحزاب ستتوقف عن نهب الدولة.. لكن ما نسمعه هو أن هناك حقًا رغبة حكومية وقضائية في إنهاء مرحلة معينة وبدء مرحلة جديدة، تكون فيها الأمور طبيعية، بمعنى أن تصبح دولتنا مثل أي دولة أخرى في العالم، بنجاحاتها وإخفاقاتها".
وختم التقرير بالتساؤلات التالية: "هل ستحقق هذه الحملة ضد الفساد أي نتائج خطيرة؟ أم أنها ستظهر، في أحسن الأحوال، كعملية تجميلية أخرى، إن لم تكن حالة تسوية سياسية؟ وكيف يمكن للعراق أن يصبح دولة طبيعية قادرة على إجراء إصلاح، بينما يجلس على خط صدع إقليمي، عالقاً وسط حرب متعددة دارت عبر أرضه وسمائه؟ وهل يمكن تحقيق هذا الإصلاح دون مساءلة زعماء الأحزاب والدويلات الصغيرة التي أقاموها؟".