شفق نيوز- واشنطن

​مصطفى هاشم

وسط عاصفة سياسية وتنظيمية متصاعدة تعصف بالعاصمة الأميركية واشنطن، احتدمت النقاشات في ندوة حوارية جمعت ممثلين بارزين عن كبرى شركات التكنولوجيا، من بينها "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"مايكروسوفت" و"غوغل"، إلى جانب مدافعين عن حقوق المستهلك، لتسليط الضوء على مستقبل الذكاء الاصطناعي، وحدود الأمان، وأزمة الثقة المتفاقمة بين الجمهور وصنّاع القرار.

​وقال مراسل وكالة شفق نيوز في واشنطن الذي حضر الندوة، إن هذه النقاشات تأتي في وقت حساس للغاية بالتزامن مع تردد أصداء الاستقالة المدوية للباحث جاكوب كوكسون، الذي عمل سابقاً في "أوبن إيه آي" ومؤخراً في "أنثروبيك" (Anthropic)، محذراً من سباق متسارع وغير منضبط نحو الذكاء الاصطناعي الخارق قد يفلت من سيطرة البشرية.

مواجهة داخل القاعة: "ثقوا بنا" في مواجهة المطالبة بالرقابة المستقلة

​افتتحت الندوة بمناقشة كيفية استعادة ثقة الجمهور التي تضررت على مدار العقدين الماضيين بفعل تجارب وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة.

وفي هذا السياق، كشفت مادي زازويتا (Mattie Zazueta)، مديرة برامج الشؤون العالمية في "OpenAI" أن مسؤولي أوبن ايه آي؛ بمن فيهم رئيس الشؤون العالمية كريس ليهان، يجرون لقاءات مكثفة ومباشرة في مبنى الكونغرس (الكابيتول هيل) للدفع باتجاه إطار تنظيمي وطني للأمان ومحو الأمية التقنية، مؤكدة أن "الأمان ليس عائقاً أمام التقدم بل شرط أساسي له".

​في المقابل، وجّه المدافع عن حقوق المستهلك جي بي برانش (منظمة Public Citizen) انتقادات لاذعة لنهج شركات التكنولوجيا، مؤكداً أن الاستقالات والتحذيرات الأخيرة أحدثت حالة إنذار واسعة النطاق. وشدد على أن التاريخ الإنساني مليء بالكوارث الناتجة عن "الغطرسة البشرية"، مطالباً بإنشاء هيئة حكومية تنظيمية مستقلة تشبه "مجلس سلامة النقل الوطني" (NTSB) لإخضاع النماذج لفحص صارم قبل طرحها في الأسواق، بدلاً من الاكتفاء بمدقّقين ماليين أو جهات تقييم ممولة من الشركات نفسها.

​ولم تغب الحوادث الأمنية الأخيرة عن طاولة النقاش، لا سيما اختراق وكلاء ذكاء اصطناعي (AI Agents) لمنصات برمجية مثل "Hugging Face" والتصرف خارج نطاق الاختبارات المحددة، وهو ما اعتبره المنتقدون دليلاً ملموساً على عجز النظم الحالية عن التمييز بين بيئات المحاكاة والشبكة الحقيقية.

معركة مراكز البيانات والطاقة

تطرق الحوار أيضاً إلى الآثار الملموسة لتوسع الذكاء الاصطناعي على المجتمعات المحلية، وتحديداً استهلاك مراكز البيانات الهائل للطاقة والمياه. وأشار المشاركون إلى الجدل حول اتفاقيات عدم الإفصاح (NDAs) التي تُفرض على المجالس البلدية، وتدخل السلطات الفيدرالية في بعض الحالات تحت بند "الأمن القومي" لحجب تفاصيل الاستهلاك البيئي.

​ورداً على ذلك، استعرضت آني كيفوركيان (Ani Gevorkian)، المديرة الأولى للذكاء الاصطناعي في "Microsoft" مبادرات الشركة لتبني معايير ذاتية واستبدال المياه المستخدمة في التبريد، والتخلي عن شروط السرية.

في حين أكد خيسوس غارسيا-فالاديز (Jesús García-Valadez)، رئيس الاتصالات الثقافية في "Google" أن خبرة عقود في تشغيل الخوادم تتيح إدارة الموارد بمسؤولية وشراكة مجتمعية.

حذر خيسوس غارسيا-فالاديز من تحول الطفرة الحالية إلى "فجوة رقمية 2.0" قد تهمش المجتمعات اللاتينية والمحلية ما لم تنخرط بفاعلية في تطوير وتوجيه هذه الأدوات، لافتاً إلى تجربة «غوغل» الممتدة لعقود في نشر خوارزميات تعلم الآلة بمليارات الحسابات بأمان.

تطرق الحوار أيضاً إلى أزمة مراكز البيانات (Data Centers) التي تستنزف شبكات الكهرباء ومصادر المياه في ولايات عدة، والجدل الدائر حول اتفاقيات عدم الإفصاح التي تُفرض محلياً وتدخل وكالات فيدرالية لحجب بيانات الاستهلاك بدعوى الأمن القومي. وأعلنت كيفوركيان في هذا الصدد تخلي "مايكروسوفت" عن شروط السرية والتزامها بتعويض المياه التي تستهلكها أنظمة التبريد.

تقاطع الندوة مع زلزال واشنطن السياسي: ترمب يرفض "التهدئة"

تكتسب المداولات في هذه الندوة زخماً استثنائياً بالنظر إلى الصدام السياسي العنيف الدائر خارج القاعة في واشنطن:

وفي خطوة نادرة وغير مسبوقة أعقبت استقالة كوكسون، دعا رؤساء تنفيذيون بارزون - من بينهم داريو أمودي (رئيس أنثروبيك)، وسام ألتمان (رئيس أوبن إيه آي)، والملياردير الاميركي إيلون ماسك، إلى التمهل وتنسيق وتيرة تطوير النماذج الفائقة ووضع كوابح مشتركة لتفادي سيناريوهات فقدان السيطرة.

رفض ترمب الصارم

في المقابل، شن الرئيس دونالد ترمب هجوماً حاداً على تلك الدعوات، واصفاً الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي الوجودية بأنه "خدعة كبرى" ولا مبرر لها.

وشدد ترامب على أن الولايات المتحدة تخوض سباقاً حاسماً للبقاء في الصدارة أمام الصين، مؤكداً أن "من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز بكل شيء"، وواصفاً مراكز البيانات بأنها "نفط الـ 25 عاماً القادمة".

انقسام الكونغرس

يجد المشرعون في الكابيتول هيل أنفسهم بين مطرقة المخاوف الوجودية والأمنية التي يطرحها الباحثون وأعضاء في الحزبين، وسندان الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية الداعية للمضي قدماً بأقصى سرعة لضمان التفوق التكنولوجي الأميركي.

و​يعكس هذا المشهد المركّب تحول نقاشات الذكاء الاصطناعي من أروقة المختبرات التقنية المغلقة إلى صلب الصراع السياسي والتشريعي في واشنطن، حيث بات التوفيق بين تسريع الابتكار وضمان بقاء التكنولوجيا خاضعة للسيطرة البشرية الاختبار الأكثر تعقيداً للإدارة والكونغرس على حد سواء.