شفق نيوز- دمشق/ واشنطن

بعد نحو نصف قرن من إدراجها على قائمة الدول الراعية للإرهاب، دخلت سوريا مرحلة جديدة في علاقتها مع الولايات المتحدة والنظام المالي الدولي، عقب إعلان واشنطن رسمياً شطب اسمها من القائمة، في خطوة وصفها الرئيس السوري أحمد الشرع بأنها "تاريخية"، فيما ينظر إليها مسؤولون ومراقبون باعتبارها إزالة لأحد أكبر العوائق أمام تعافي الاقتصاد السوري واستعادة علاقاته الخارجية.

وهنأ الشرع، في مقطع مصور نشره عبر منصة "إكس"، الشعب السوري بالقرار، قائلاً "أهنئ الشعب السوري بإزالة اسم سوريا رسمياً من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأشكر الرئيس دونالد ترامب على هذا القرار التاريخي، وكل الأشقاء والأصدقاء الذين وقفوا مع سوريا والسوريين".

وجاء القرار الأميركي بعد مسار استمر أسابيع داخل المؤسسات الأميركية، إذ كان الرئيس دونالد ترمب قد أخطر الكونغرس في الثامن من تموز/يوليو الماضي بنيته رفع سوريا من القائمة، قبل أن تنتهي فترة المراجعة والإخطار القانونية وتعلن واشنطن في 24 آب/أغسطس 2026 دخول القرار حيز التنفيذ.

وبذلك تطوي سوريا واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في علاقتها مع الولايات المتحدة، بعدما بقيت مدرجة على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، وهو تصنيف فرض قيوداً واسعة على التعاملات المالية والتجارية والمساعدات والصادرات، وأدى عملياً إلى إحجام مصارف وشركات عالمية عن التعامل مع دمشق خشية التعرض لعقوبات أو مخاطر قانونية.

ولم يكن أثر التصنيف محصوراً بالإجراءات الحكومية الأميركية، إذ امتد طوال عقود إلى المؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص، حيث تحولت سوريا إلى سوق عالية المخاطر بالنسبة إلى المصارف وشركات التأمين والاستثمار، ما ساهم في عزلها عن النظام المالي العالمي وأعاق دخول رؤوس الأموال والتكنولوجيا إلى البلاد.

وتزامن رفع اسم سوريا من القائمة مع خطوات أميركية أخرى مرتبطة بمراجعة تصنيفات وقيود فرضت خلال السنوات الماضية، في إطار سياسة جديدة تجاه الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، تقوم على ربط تخفيف القيود بإجراءات تتعلق بمكافحة تنظيم داعش والتنظيمات المتطرفة وتقليص نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران.

وفي حديث خاص لوكالة شفق نيوز من واشنطن، قال الباحث والسياسي السوري رضوان زيادة، الذي أجرى لقاءات ومناقشات داخل مقر وزارة الخارجية الأميركية بشأن ملف العقوبات، إن القرار يمثل تحولاً كبيراً بالنسبة لسوريا بعد عقود من العزلة.

وقال زيادة "مبروك لسوريا، كانت من أوائل الدول التي وضعت على لائحة وزارة الخارجية الأميركية كدولة داعمة للإرهاب، واليوم يُزال اسمها بعد قرابة نصف قرن. هذه العقود كانت تعني عزلة واسعة عن النظام المالي العالمي وكلفت السوريين الكثير من التراجع والتخلف التقني والاقتصادي".

وأضاف "سررت اليوم بأن أكون في الخارجية الأميركية يوم الإعلان عن هذا النبأ السار. اليوم الكرة في ملعب السوريين كي يلحقوا بركب المجتمع الدولي، ويحثوا الخطى كي تعود سوريا دولة مستقلة ذات تأثير إقليمي وسياسي وثقافي واقتصادي".

ويرى مراقبون أن الأثر الأهم للقرار لن يظهر في الخطاب السياسي بقدر ما سيظهر في القطاعين المالي والاستثماري، إذ إن إزالة التصنيف تقلل جزءاً كبيراً من المخاطر القانونية التي كانت تمنع المصارف والشركات من التعامل مع سوريا، وقد تفتح الطريق أمام توسع التحويلات المصرفية، وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، ودخول شركات أجنبية كانت تتردد سابقاً في الاستثمار داخل البلاد.

ومع ذلك، لا يعني القرار انتهاء جميع العقوبات الأميركية المرتبطة بسوريا، إذ ما زالت واشنطن تحتفظ بعقوبات موجهة ضد أفراد وكيانات مرتبطة بالنظام السابق، فضلاً عن جهات متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان أو الاتجار بالمخدرات أو الارتباط بتنظيمات متطرفة وجماعات مدعومة من إيران.

لكن رفع تصنيف "الدولة الراعية للإرهاب" يظل التحول الأبرز حتى الآن، لأنه كان يمثل مظلة قانونية وسياسية لعقود من القيود والعزلة، ويبعث بإشارة واضحة إلى المؤسسات المالية والأسواق الدولية بأن واشنطن تتجه إلى إعادة تعريف علاقتها مع دمشق.

وتواجه الحكومة السورية بعد القرار اختباراً جديداً يتمثل في قدرتها على تحويل الانفتاح السياسي إلى نتائج اقتصادية ملموسة، ولا سيما في بلد يحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة إعمار البنية التحتية، وتحريك قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات، واستعادة ثقة المستثمرين والمصارف الدولية.

وبذلك، تنتقل سوريا من مرحلة كانت فيها العقوبات والعزلة أحد أبرز محددات اقتصادها وعلاقاتها الخارجية، إلى مرحلة جديدة يصبح فيها التحدي الأساسي هو مدى قدرتها على استثمار رفع القيود لبناء شراكات اقتصادية وسياسية تعيدها تدريجياً إلى النظام الدولي.