شفق نيوز- واشنطن
كشفت شبكة "CNN" الأميركية، يوم الأربعاء، عن تعرض العديد من الموظفات في الكونغرس لحالات "تحرش جنسي" من قبل أعضاء ومسؤولين في مبنى "الكابيتول" طوال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن من تعرضن لذلك "يخشين" الإبلاغ عن ذلك.
وذكرت الشبكة أنه بعد حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض قبل عدة سنوات، طلب عضو في الكونغرس من موظفة شابة ممارسة الجنس وبعد بضعة أشهر، حاول تقبيلها عنوة.
وفي 2023، قام رئيس طاقم عمل في الكونغرس، وهو شخص مسؤول عن إدارة مكتب المشرّع، بمراسلة متدربة سابقة تبحث عن وظيفة، وعرض عليها علاقة جنسية، وتحويل المال عبر تطبيق "فينمو" إذا وافقت.
وفي 2017، أرسل عضو في الكونغرس رسالة نصية إلى موظفة بارزة يسألها عن لون ملابسها الداخلية.
وتحدثت "CNN" مع أكثر من 12 موظفة حالية وسابقة، أفدن بتعرضهن للمضايقات من قبل أعضاء مجلس النواب أو كبار موظفي الكونغرس، وقد اختارت معظمهن عدم الإبلاغ عن هذه الحوادث، ولا يزلن يخشين الكشف عن أسماء المتحرشين علناً.
وتكشف قصصهن -التي روينها بشرط عدم الكشف عن هويتهن خوفاً من الانتقام، والتي أكدتها "CNN" قدر الإمكان من خلال المقابلات والرسائل النصية والأدلة المصورة ووثائق التسوية- كيف تواجه النساء العاملات في مبنى الكابيتول عوائق هيكلية وثقافية في الكونغرس تثنيهن عن الإبلاغ عن سوء السلوك.
وأخبرت الموظفات "CNN" أنهن غالباً ما شعرن بالإحباط من تقديم شكوى، خوفاً من إدراجهن في القائمة السوداء للوظائف المستقبلية في الكونغرس، ومن عدم إمكانية حماية هويتهن.
أما من يتقدمن للإبلاغ عن التحرش، فعليهن اجتياز متاهة معقدة من المكاتب التي تُعنى بشكاوى مكان العمل، على الرغم من أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق لجنة الأخلاقيات، وهي عملية مطولة وغير واضحة المعالم، غالبًا ما تنتهي إلى طريق مسدود، بحسب الموظفات.
وقالت إحدى الموظفات اللاتي تعرضن للمضايقة من قبل مشرفها: "لسنا صامتات لأن الضرر لم يكن جسيماً بما يكفي، بل لأننا نعلم أننا نعمل في بيئة يكون فيها الصمت أكثر أماناً من الكلام".
وأضافت: "لطالما كان خطر النبذ المهني -سواءً بسبب وصمنا بالموظفة المشاغبة أو جعلنا محوراً للدراما- يبدو أكثر إلحاحاً ويقيناً من إمكانية المساءلة".
وتُعدّ لجنة الأخلاقيات في مجلس النواب، المكونة من 10 أعضاء حاليين، أحد المسارات التي يمكن للضحية اللجوء إليها، مع أن الموظفات يقلن إن الإجراءات قد تستغرق شهوراً أو حتى سنوات.
وقالت النائبة الجمهورية، كات كامك، التي تشارك في قيادة فريق عمل جديد من الحزبين لمعالجة الإبلاغ عن التحرش الجنسي في الكونغرس: "إذا حدث شيء ما، لا قدر الله، فسيكون أمامهم طرق أبواب لا حصر لها، وهذا غير مقبول. نريد جهة واحدة شاملة".
وأخبرَت موظفة سابقة في الكونغرس "CNN" أنها لجأت إلى العلاج النفسي المتاح في مبنى الكابيتول بعد تعرضها للمضايقة من قِبَل رئيس مكتبها. طُلِبَ منها توثيق أي حالات مضايقة إذا أرادت الإبلاغ عن القضية لاحقًا، لكنّ المستشارة كانت واضحة بشأن الصعوبات، مُلمِّحةً إلى أن النظام، بهيكله الحالي، نادراً ما ينجح في تحقيق المساءلة، وأن ذلك يكلفها ثمناً باهظاً على الصعيدين الشخصي والمهني.
وفي نهاية المطاف، قررت أن الأمر لا يستحق عناء المتابعة، فغادرت مبنى الكابيتول. وقالت: "ساعدني ذلك على استيعاب كل شيء، لكنه لم يحقق لي المساءلة".
وقالت موظفة شابة أخرى فكّرت في الإبلاغ عن سوء معاملة من قِبَل مدير سابق إنها استشارت محامياً لمعرفة حقوقها، لكنها في النهاية لم تقدم شكوى لأنها لم تشعر بأن هويتها ستكون مصونة، فعندما اتصلت بلجنة الأخلاقيات في مجلس النواب سألتها اللجنة عن اسمها والمكتب الذي تعمل فيه، شعرت بعدم الارتياح، ما ساهم في قرارها النهائي بعدم المضي قدماً في الشكوى.
وقالت إحدى الموظفات القياديات، التي روت للشبكة تفاصيل الرسائل النصية المزعجة التي تلقتها بشأن ملابسها الداخلية من أحد أعضاء البرلمان: "الكابيتول هيل مكان صغير جدًا، وإذا قررت المضي قدماً في الشكوى، فمن السهل جداً معرفة من وجّه هذا الادعاء، هل أريد أن تُلطخ سمعتي بهذه الصورة ما هي العواقب الحقيقية غير مجرد توبيخ بسيط؟"، مضيفة أن الأمر "لا يستحق كل هذا العناء".
وقالت إن أحد أعضاء الكونغرس طلب منها ممارسة الجنس: "من الصعب الإفصاح عن الأمر عندما يكون لدى رئيسك أو مديرك التنفيذي أو أي موظف رفيع آخر نفس العقلية لحماية جميع الأعضاء".
وروت الموظفة السابقة أن النائب نفسه، بعد بضعة أشهر، جذبها إلى حضنه وحاول تقبيلها في مكتبه الخاص بعد أن طلب منها توصيلها إلى مبنى الكابيتول لحضور جلسات التصويت في وقت متأخر من الليل عقب اجتماع عمل.
وأضافت الموظفة السابقة: "وحتى بعد ذلك، بمجرد فتح التحقيق رسمياً، يصبح الأمر أشبه بمنطقة محظورة".
وتُجري اللجنة تحقيقات دورية في مزاعم سوء السلوك الجنسي، وتصدر تقارير بنتائج تحقيقاتها. إلا أن منتقديها يرون أنها غالباً ما تحمي أعضاءها من المساءلة.
وقال مصدر مطلع على إجراءات لجنة الأخلاقيات في الكونغرس: "يُطلق على لجنة الأخلاقيات تاريخياً لقب جهاز حماية الأعضاء فهي موجودة لحماية الصلاحيات السياسية للقيادة، وهذا يعني أن للتصويت أهمية بالغة".
وامتنعت لجنة الأخلاقيات في مجلس النواب عن التعليق.
وفي حالة امرأة أخرى عُرف لاحقاً أنها توصلت إلى تسوية مالية، وهي لورين غرين، فقد تواصلت في البداية مع "لجنة الأخلاقيات" لتقديم ادعاءات ضد النائب الجمهوري السابق بليك فارينهولد، غير أنها أُحيلت إلى "مكتب الامتثال"، حيث توصلت في نهاية المطاف إلى تسوية مالية بلغت قيمتها 84 ألف دولار.
وقالت إنها لم تتخذ خطوة الإبلاغ عن التحرش إلا بعد أن فُصلت من وظيفتها في الكونغرس؛ وهو أمرٌ بدا لها - عند النظر إليه بأثر رجعي - عاملاً محتملاً أثر في قرارها بالسعي للحصول على إنصاف.
وقالت: "لا أدري ما إذا كنت سأقدم على تلك الخطوة لو كنت لا أزال على رأس عملي؛ فالأمر ينطوي على قدر هائل من الرهبة والخوف بالنسبة للموظف الحالي. لذا، فقد تقدمتُ بشكواي بصفتي موظفةً مفصولة".
أما فارينهولد، الذي توفي العام الماضي، فقد نفى بعض الادعاءات الموجهة إليه، واستقال من الكونغرس في عام 2018 بينما كان يواجه تحقيقاً في قضايا أخلاقية.
وفقاً لتحليل أجرته "CNN" للتقارير التي نشرها المكتب للجمهور منذ عام 2009، فإن لجنة الأخلاقيات لا تُشكّل لجان تحقيق فرعية لمواصلة النظر في الادعاءات إلا في 13% فقط من الحالات، وذلك بعد تلقيها الإحالات الأولية من المكتب.
وينتهي المطاف بأكثر من نصف الحالات المُحالة لتخضع لعملية غامضة تُعرف باسم "18A" وهي عملية تفتقر إلى جدول زمني محدد حيث يقوم رئيس اللجنة والعضو الأقدم فيها بمراجعة تلك الحالات بشكل مستقل.