شفق نيوز - دمشق
أكد عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، لؤي الأشقر، اليوم الخميس، أن سوريا تمتلك مقومات مهمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، أبرزها موقعها الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات، وحاجة السوق المحلية إلى مختلف المنتجات والخدمات بعد 14 عاماً من الحرب، إلى جانب توافر اليد العاملة الماهرة والمنخفضة التكلفة، والثروات الزراعية والصناعية
وأوضح الأشقر لوكالة شفق نيوز أن امتلاك المقومات الاستثمارية لا يكفي وحده لاستقطاب المستثمرين، إذ يرتبط القرار الاستثماري بمدى توافر بيئة مناسبة تضمن استقرار الأعمال واستمراريتها، مشيراً إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الاستثمار في سوريا تتمثل في تضرر البنية التحتية، ولا سيما قطاع الكهرباء، والقيود المصرفية وصعوبة التحويلات المالية، فضلاً عن خروج سوريا من نظام "سويفت"، والحاجة إلى قانون استثمار عصري يوفر ضمانات حقيقية للمستثمرين.
وشدد على أن معالجة هذه الملفات تمثل شرطاً أساسياً لتحويل الفرص الاستثمارية المتاحة من إمكانات نظرية إلى مشاريع فعلية على أرض الواقع.
السوق السورية بين فرص إعادة الإعمار ومخاطر الاستثمار
وفي ما يتعلق بجاذبية السوق السورية مقارنة بدول الجوار، ولا سيما الإمارات والسعودية وتركيا، أشار الأشقر إلى أن هذه الدول تتمتع باستقرار تشريعي وبنية تحتية جاهزة وتمويل مصرفي، في حين تتمثل الميزة الأساسية لسوريا في الحاجة الهائلة إلى إعادة الإعمار.
وأوضح أن هذه الحاجة تتيح هامش ربح متوقعاً أعلى للمستثمرين، لكنها تقترن في الوقت نفسه بمستويات أعلى من المخاطر، ما يجعل تحسين البيئة الاستثمارية ضرورة للاستفادة من الفرص المتاحة وتعزيز القدرة التنافسية للسوق السورية.
أربعة قطاعات تتصدر فرص الاستثمار
وحدد الأشقر أربعة قطاعات رئيسية يرى أنها الأكثر جاذبية للاستثمار خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها قطاع الطاقة والكهرباء، الذي تحتاج سوريا فيه إلى 6 آلاف ميغاواط إضافية، معتبراً أن هذا القطاع يمثل فرصة استثمارية مهمة.
ويأتي قطاع البناء ومواد البناء والبنية التحتية في المرتبة الثانية، بما يشمل مشاريع الطرق والموانئ، مشيراً في هذا السياق إلى الطريق الذي وقّعته سوريا مع قطر.
أما القطاع الثالث، فيشمل الصناعات الدوائية والغذائية والمنسوجات، في ظل وجود قاعدة صناعية قديمة يمكن إعادة إحيائها بكلفة أقل من تكلفة التأسيس من الصفر.
ويتمثل القطاع الرابع في النقل والخدمات اللوجستية والمناطق الحرة، التي يمكن أن تسهم في تحويل سوريا إلى ممر للعبور التجاري "ترانزيت" يربط الخليج بالبحر المتوسط.
ثلاثة شروط أساسية لاستقطاب المستثمر الأجنبي
وفي حديثه عن متطلبات جذب المستثمرين الأجانب، أكد عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق أن المستثمر يحتاج إلى ثلاث ضمانات واضحة قبل ضخ أمواله في السوق السورية، أولها الأمان القانوني، من خلال إقرار قانون استثمار مستقر لا يتغير كل عام، وإنشاء محكمة متخصصة لحل نزاعات الاستثمار خلال 90 يوماً.
أما الشرط الثاني، فيتمثل في الأمان المالي، بما يضمن للمستثمر إمكانية إدخال أمواله إلى سوريا وتحويل أرباحه إلى الخارج، مؤكدا أن غياب الحلول المصرفية والضمانات من مصرف سوريا المركزي سيحد من قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات الأجنبية.
ويتمثل الشرط الثالث في إنشاء نافذة واحدة للمستثمرين، تختصر الإجراءات الإدارية وتحد من تعدد الجهات الحكومية التي يتعين على المستثمر مراجعتها، مشيراً إلى أن المستثمر في سوريا يضطر حالياً إلى مراجعة عشر وزارات، في حين يمكن تأسيس شركة في دبي خلال يومين.
ولفت إلى أن سوريا لا تستطيع منافسة الإمارات والسعودية من حيث الدعم المالي، لكنها تستطيع تعزيز تنافسيتها عبر خفض تكاليف التأسيس والاستفادة من موقعها الجغرافي كممر تجاري.
وأضاف أن سوريا تمتلك ميزة انخفاض تكلفة اليد العاملة مقارنة بتركيا، إلا أن الأخيرة تتمتع بميزة أساسية تتمثل في توافر الكهرباء على مدار 24 ساعة، مؤكداً أن المنافسة الحقيقية لا تقوم على الشعارات، بل على تأمين الكهرباء والمازوت اللازمين للقطاع الصناعي.
إعفاءات وحوافز تتجاوز التخفيضات الضريبية
وفي ما يتعلق بالحوافز التي يمكن أن تقدمها سوريا في ظل الإعفاءات المتاحة في دول المنطقة، رأى الأشقر أن الإعفاءات الضريبية وحدها، حتى لو امتدت لعشر سنوات، لا تكفي لجذب المستثمرين، لأن الإعفاء من الضرائب على أرباح غير متحققة لا يحمل قيمة فعلية.
ودعا إلى تقديم حوافز أكثر ارتباطاً باحتياجات المشاريع الإنتاجية، تشمل الإعفاء الكامل من رسوم استيراد الآلات وخطوط الإنتاج، وتخصيص أراضٍ صناعية بحق الانتفاع طويل الأجل وبأسعار رمزية في منطقتي عدرا وحسياء.
كما شدد على أهمية السماح للمستثمرين بتحويل كامل أرباحهم، بنسبة 100%، بالدولار، مع توفير ضمانة سيادية تحول دون الحجز على الاستثمارات أو تأميمها.
الكهرباء الرخيصة والاستقرار التشريعي أساس المنافسة
وأكد عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق أن مزايا انخفاض التكاليف وتوفر اليد العاملة والموقع الجغرافي لا تكفي وحدها لضمان تنافسية سوريا، مشيراً إلى أن اليد العاملة الرخيصة متاحة أيضاً في مصر وبنغلادش، فيما يتمتع الأردن وتركيا بمواقع جغرافية مميزة.
واعتبر أن الميزة التنافسية الحقيقية لسوريا تتمثل في تحقيق الاستقرار التشريعي وتأمين الطاقة بأسعار مناسبة، موضحاً أن توفير الكهرباء الصناعية بسعر 7 سنتات، كما في دول الخليج، إلى جانب الاستفادة من مهارات اليد العاملة السورية، من شأنه أن يعزز قدرة البلاد على المنافسة.
وحذر من أن استمرار أزمة الكهرباء سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف تشغيل المولدات، بما يستهلك المزايا التي توفرها الأجور المنخفضة.
حوافز استثنائية في البداية وبيئة مستقرة على المدى المتوسط
وفي ما يتعلق بأولوية الحوافز الاستثنائية أم بناء بيئة استثمارية مستقرة ومستدامة، رأى الأشقر أن سوريا تحتاج إلى الأمرين معاً، لكن وفق تسلسل زمني واضح.
وأوضح أن المرحلة الأولى، خلال السنتين المقبلتين، تتطلب تقديم حوافز استثنائية وجاذبة لاستقطاب أول 20 مستثمراً كبيراً، ممن وصفهم بـ"مستثمري الثقة الأولى"، معتبراً أن منحهم مزايا تشمل الأراضي المجانية والإعفاءات الكاملة والحماية الخاصة من شأنه أن يبعث برسالة ثقة إلى المستثمرين في الخارج.
وأكد أن بناء الاقتصاد على الاستثناءات لا يمكن أن يستمر على المدى المتوسط، مشدداً على ضرورة الانتقال سريعاً إلى إنشاء بيئة استثمارية مستقرة ومستدامة تشمل قانوناً عصرياً، وقطاعاً مصرفياً فاعلاً، ومنصة رقمية للاستثمار.
وختم الأشقر بالتأكيد أن الحوافز الاستثنائية يمكن أن تفتح الباب أمام المستثمرين، لكن البيئة المستقرة والمستدامة هي التي تضمن بقاءهم واستمرار استثماراتهم داخل سوريا.