شفق نيوز- طهران

نعت الأوساط الأكاديمية والثقافية، اليوم الأربعاء، عالم الآثار واللغات القديمة البارز البروفيسور عبد المجيد أرفعي، الذي وافاه الأجل في العاصمة الايرانية طهران عن عمر ناهز 86 عاما، بعد مسيرة حافلة قضاها في فك رموز الخطوط المسمارية وترجمة تراث المنطقة القديم.

وبحسب وكالة فارس الايرانية في خبر لها ترجمته وكالة شفق نيوز، فقد أعلنت السلطات الثقافية في محافظة فارس الإيرانية، أن جثمان الفقيد سيوارى الثرى في باحة ضريح الشاعر الشهير "حافظ الشيرازي" بمدينة شيراز، تقديرا لمكانته العلمية بوصفه أحد القلائل في العالم الذين أتقنوا لغات بائدة وشكلوا جسرا معرفيا بين الحضارات.

ويعد البروفيسور أرفعي "خبير المسمارية الأخير"، حيث تخصص بشكل دقيق وعميق في اللغات الأكادية والآشورية والإيلامية، وكان مرجعا دوليا نادرا في قراءة النقوش الطينية التي تعود لحضارات وادي الرافدين (ميزوبوتاميا) والهضبة الإيرانية.

وصرح مدير عام التراث الثقافي، بهزاد مريدي، بأن الراحل "ترك بصمة لا تمحى في تاريخ الأركيولوجيا، إذ كان من أبرز من قرأ وترجم (منشور كورش) ونقوش (تخت جمشيد)، فضلا عن إسهاماته الجوهرية في تصنيف وفك رموز آلاف الألواح الإيلامية التي كشفت عن النظم الإدارية والاجتماعية في العصور القديمة".

والراحل (مواليد 1939) لم يكن مجرد مترجم، بل كان باحثا موسوعيا في تاريخ وثقافة الشرق الأدنى القديم، حيث سخر عقودا من حياته لدراسة الروابط اللغوية والتاريخية بين الحضارات التي ازدهرت في العراق وإيران، ممهدا الطريق للأجيال الشابة لتعلم أسرار الخط المسماري.

ومن المؤمل أن تجرى مراسم تشییع رسمية للفقيد، بحضور نخبة من علماء الآثار والمثقفين، قبل أن يدفن في مرقده الأخير إلى جانب كبار أدباء وعلماء إيران في مدينة شيراز.

يعد البروفيسور الراحل عبد المجيد أرفعي (1939-2026) أحد القلائل في العالم الذين استطاعوا فك شفرات الماضي السحيق، مكرسا أكثر من ستة عقود من حياته لخدمة تاريخ الشرق الأدنى القديم.

ولم يكن أرفعي مجرد باحث عابر، بل تخصص في اللغة الأكادية بلهجتيها (البابلية والآشورية) خلال دراسته في جامعة شيكاغو (المعهد الشرقي)، حيث تتلمذ على يد كبار علماء الآشوريات في العالم؛ وأتقن قراءة الألواح الطينية التي دونت تاريخ حمورابي وآشور بانيبال، مما جعله مرجعا دوليا في ربط النصوص المسمارية المكتشفة في الهضبة الإيرانية بتلك الموجودة في وادي الرافدين (العراق).

ويعد أرفعي "المترجم الأخير" للغة الإيلامية القديمة، وهي لغة فريدة ومعقدة؛ اذ استطاع بمفرده تقريبا تصنيف وترجمة آلاف الألواح الطينية المكتشفة في "تخت جمشيد" (برسيبوليس)، والتي كشفت لأول مرة عن تفاصيل الحياة اليومية، الرواتب، ونظام الإدارة في العصور القديمة، محولا إياها من مجرد "أحجار صامتة" إلى وثائق تاريخية ناطقة.

ونال شهرة واسعة لكونه صاحب أدق ترجمة لـ "منشور كورش" (الموجود في المتحف البريطاني) من اللغة الأكادية الأصلية إلى الفارسية، معتمدا على خبرته العميقة في القواعد النحوية للغات بابل وآشور.

وأسس أرفعي قاعة النقوش والمسماريات في المتحف الوطني الإيراني، وترك خلفه عشرات الكتب والأبحاث التي تعد مراجع أساسية لطلاب الآثار في المنطقة، وكان يؤكد دوما على الوحدة الثقافية والتاريخية العميقة التي جمعت شعوب العراق وإيران منذ فجر الحضارة.