شفق نيوز- دمشق 

في محاضرة سياسية تناولت مسار "الثورة السورية" وآفاق المستقبل، قدّم العميد المنشق مناف طلاس، نجل وزير الدفاع السوري الأسبق مصطفى طلاس، قراءة معمّقة للتطورات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الماضية، متناولاً أسباب ما وصفه بـ"فشل الثورة"، ونتائج استمرار الصراع، مع عرض رؤيته حول بناء مستقبل سياسي وعسكري جديد للبلاد.

ويُعد طلاس من أبرز الضباط الذين شغلوا مواقع حساسة في النظام السوري السابق، حيث قاد اللواء 105 في الحرس الجمهوري، وهو نجل مصطفى طلاس، الذي شغل منصب وزير الدفاع لأكثر من ثلاثة عقود، وكان أحد أقرب المقربين من الرئيس الراحل حافظ الأسد.

انشق مناف عن النظام في عام 2012 بعد رفضه المشاركة في قمع الاحتجاجات الشعبية، وتشير بعض الروايات إلى أن قراره كان احتجاجًا على الحملة العسكرية التي استهدفت مسقط رأسه "الرستن"، بينما ترجّح روايات أخرى أن القطيعة الحقيقية بدأت مع هجوم النظام على حي بابا عمرو في حمص، عندما رفض طلاس قيادة العملية العسكرية هناك.

وعلى مدى عقد من الزمن، بقي طلاس حاضراً في المشهد المعارض دون أدوار قيادية بارزة، ليعود مؤخرًا إلى الساحة في ظل تحولات سياسية وإقليمية معقدة، تتراوح بين محاولات إعادة تعويم النظام عربيًا وتصاعد النزعات الانفصالية في بعض المناطق.

واستعرض طلاس في محاضرته مسار الدولة السورية منذ سقوط الدولة العثمانية، مشيرًا إلى أن المجتمع حينها كان قائمًا على العشائرية، ما جعل النظام الملكي ملائمًا لتلك المرحلة، ومع دخول الانتداب الفرنسي والتحول إلى النظام الجمهوري، دخلت سوريا مرحلة من الانقلابات العسكرية المتكررة، التي مهدت لاحقًا لولادة سلطة عائلية استمرت نصف قرن.

ويؤكد طلاس أن انشقاقه جاء نتيجة رفضه توجيه السلاح نحو الشعب، مشيرًا إلى أنه حاول الدفع بمبادرات مصالحة وطنية في دوما وحمص، لكن النظام رفض أي حلول سلمية، فيما اتسم موقف الأسد بـ"التردد".

وأوضح، أن الثورة لم تكن محاولة لإعادة النظام القديم، بل كسر احتكار العائلة للحكم، معتبراً أن النظام كان غير مستعد لأي تسوية حقيقية.

وكشف طلاس أنه كان في تركيا لحظة سقوط بشار الأسد، معتبرًا أن الحدث جاء نتيجة تفاهمات دولية متشابكة، كما ساهمت في تسريعه ما وصفه "النزعات الانفصالية" في شمال شرق سوريا.

وأشار إلى أن الثورة فشلت منذ بدايتها بسبب التدخلات الخارجية وتدويل الأزمة، إضافة إلى التفاهمات الدولية التي جرت عام 2012، والتي سمحت للنظام بالصمود لفترة أطول.

وطرح طلاس مشروعًا عسكريًا يهدف إلى إعادة تأسيس جيش وطني سوري، يشمل دمج أكثر من 10 آلاف ضابط منشق، والعمل على استيعاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وضباط من الساحل والسويداء ضمن هيكل عسكري موحد.

وعند سؤاله عن طموحه لتولي وزارة الدفاع، أجاب مازحًا: "لا، بل قائداً للجيش".

ودعا طلاس إلى تفعيل القرار الدولي 2254 مع إدخال تعديلات بدعم من الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، بهدف الوصول إلى سلطة انتقالية تضع دستورًا جديدًا وتمهد لإجراء انتخابات.

وأكد على أهمية تشكيل مجلس عسكري لضمان الاستقرار، مع تأكيده أنه لا يطمح للسلطة قائلاً: "نحن لسنا طلاب سلطة، ولا نمانع أن يكون أحمد الشرع رئيسًا".

وشدد طلاس على ضرورة تحقيق محاسبة حقيقية لضحايا النظام والانتهاكات الحالية، ورفض الاكتفاء بلجان شكلية.

واعتبر أن الثقة بالدولة تُبنى عبر الأمان والعدالة لجذب الاستثمارات، داعيًا إلى إشراك السوريين في الخارج لبناء نظام قضائي مستقل وسليم.

ويرى طلاس أن السوريين بطبيعتهم "صوفيون وأشعريون بعيدون عن السياسة"، مشيرًا إلى أنه لا يرفض وجود أحزاب دينية ضمن العمل البرلماني، لكنه يرفض فرض العقيدة على الدولة أو مؤسساتها.

كما أشار طلاس إلى أن الحديث عن أي سلام مع إسرائيل سابق لأوانه، موضحًا أن أي اتفاق يجب أن يستند إلى دولة قوية ودستور راسخ، وليس في ظل دولة منهكة.

ورفض، مشاريع تقسيم سوريا بشكل قاطع، مؤكدًا أن "سوريا تتوسع ولا تنقسم"، معتبرًا أن طرح الفيدرالية أو اللامركزية سيتلاشى مع قيام دولة موحدة تقوم على المواطنة.

واستطرد طلاس أن عودته إلى سوريا هدفها تقديم المشورة والمساعدة وليس السعي وراء السلطة، داعيًا السوريين في دول الجوار إلى العودة والمشاركة في إعادة الإعمار، فيما تبقى عودة جاليات الغرب رهينة بتأمين الأمان والعدالة.

من جانبه، أوضح المحلل السياسي مازن خلف، في حديثه لوكالة شفق نيوز، أن عودة مناف طلاس تعكس محاولات لإعادة التموضع السياسي لبعض الشخصيات المعارضة، مشيرًا إلى أن لطلاس رصيدًا خاصًا بفضل خلفيته العسكرية وصلاته التاريخية بمؤسسات الدولة.

إلا أن خلف حذر من تحديات كبيرة، أبرزها تعدد القوى المسلحة وتباين ولاءاتها الإقليمية والدولية، ما يحد من تأثير أي مشروع فردي.

وأضاف أن مشروع طلاس لإعادة تأسيس جيش وطني "قد يلقى صدى شعبيًا"، لكنه يظل رهينًا لتوافق القوى الفاعلة على الأرض، وهو أمر لا يبدو قريب التحقق.

مع الاشارة الى ان ظهور طلاس في مثل هذا التوقيت يفتح التكهنات حول دوره المستقبلي في السياسة السورية كجزء من الحكم او المعارضة. 

وكانت تقارير إعلامية، بينها المرصد السوري لحقوق الإنسان، قد ذكرت أن باريس رفضت طلبًا من وزارة الخارجية السورية لمنع إقامة المحاضرة، التي رخصتها جمعية طلابية لبنانية غير سياسية، ما يؤكد أن تنظيمها لم يتم تحت إشراف حكومي فرنسي.