شفق نيوز/ واشنطن
مصطفى هاشم
لم تعد معركة الوقود في العقيدة العسكرية الأمريكية شأناً لوجستياً محضاً، بل تحولت إلى واحدة من أكثر نقاط الضعف حساسية في زمن الحروب المسيّرة والهجمات الهجينة، فداخل نقاشات البنتاغون وشركات الطاقة المتعاقدة معه، يتصاعد قلق متزايد من أن شريان القوة العسكرية الأمريكية قد يصبح هدفاً سهلاً في أي مواجهة واسعة، سواء في الخارج أو حتى داخل الأراضي الأمريكية نفسها.
في جلسة نقاشية رفيعة المستوى في واشنطن، بدا واضحاً أن الولايات المتحدة تعيد النظر في افتراضات قديمة كانت تعتبر خطوط الإمداد والطاقة مناطق آمنة نسبياً. أما اليوم، فالدروس القادمة من مضيق هرمز والبحر الأحمر، ومن ساحات الاشتباك التي أظهرت فاعلية الطائرات المسيّرة زهيدة الكلفة أمام أهداف استراتيجية مرتفعة القيمة، فقد دفعت هذا الملف إلى صدارة الاهتمام.
وفي رد على سؤال طرحته وكالة شفق نيوز بشأن ما تعلمه الجيش الأمريكي من نزاعات المنطقة، خاصة ما يتعلق بتكنولوجيا الدرونز، لم يخف العميد مارك سيكمان، مدير اللوجستيات في قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية "نوراد"، حجم القلق. فقد وصف التهديد الذي تمثله المسيّرات، مستشهداً بالنماذج الإيرانية مثل "شاهد"، بأنه "مشكلة ضخمة"، وقال إن حماية سلسلة توريد الوقود داخل الولايات المتحدة أصبحت من الملفات التي "تؤرقك ليلاً".
وأشار سيكمان إلى أن الجيش الأمريكي شرع فعلياً في اختبارات ميدانية، من بينها تجربة "Falcon Peak"، لقياس قدرة الشركات والأنظمة الدفاعية على اكتشاف المسيّرات واعتراضها قبل بلوغ أهدافها. إلا أن ما يقلق أكثر، بحسب حديثه، ليس فقط سرعة التهديد، بل بطء الاستجابة المؤسسية، خصوصاً في ظل تداخل الصلاحيات القانونية بين الجهات المدنية والعسكرية، وهو ما يعرقل بناء مظلة حماية متكاملة لمنشآت الوقود.
ومن زاوية القطاع الخاص، قدم كولين فينسيل، المسؤول في شركة "Crowley" للطاقة، صورة موازية لا تقل قتامة. فالهجمات والاضطرابات التي شهدتها مناطق مثل عُمان، بحسب تعبيره، أخرجت تهديد الدرونز من إطار السيناريو الافتراضي إلى واقع تشغيلي يومي تتعامل معه الشركات على الأرض. ولم يعد الأمر متعلقاً فقط بإصابة هدف أو تعطيل منشأة، بل بات يرتبط أيضاً بكلفة التأمين، واستعداد الشركات للمخاطرة، وقدرة الأسواق على تحمل الضغوط.
وأوضح فينسيل أن التهديدات المستجدة دفعت بعض شركات التأمين الدولية إلى التراجع عن تغطية عمليات نقل الوقود في المناطق الساخنة، وهو تطور لا يقل خطورة عن التهديد العسكري نفسه، لأنه يضرب أساس الجدوى اللوجستية ويجعل نقل الطاقة أكثر تعقيداً وكلفة وهشاشة.
أما اللواء المتقاعد إد دورمان، فذهب أبعد من ذلك في توصيف طبيعة الحرب المقبلة، محذراً من اختزال التهديد في صورة هجوم مباشر على خزانات الوقود أو الناقلات. فالمعركة، من وجهة نظره، أصبحت هجينة ومفتوحة على أكثر من مسار، من استهداف خطوط الإمداد والأنابيب، إلى الاختراقات السيبرانية للشركات الناقلة، وصولاً إلى محاولات التأثير على وسطاء الشحن أو اختراقهم لتعطيل وصول الإمدادات إلى القواعد العسكرية.