شفق نيوز- غزة

غابت ملامح قطاع النقل التقليدي التي عهدها سكان قطاع غزة قبل الحرب، لتفسح المجال أمام مشهد غير مألوف يعكس قسوة الواقع الراهن؛ حيث اختفت سيارات الأجرة الحديثة وحلّت مكانها وسائل بدائية مثل "المجرورات" المعروفة محليًا باسم "العقلاه"، والعربات التي تجرها الدواب، إلى جانب مركبات متهالكة أُعيد ترميمها بجهود فردية مضنية.

هذا التحول لم يكن خيارًا، بل فرضته ضرورة الحفاظ على "شريان الحياة" في ظل تدمير البنية التحتية، وتحول الشوارع إلى ركام وحفر عميقة، ما جعل من رحلة التنقل اليومية داخل محافظات القطاع مغامرة شاقة ومحفوفة بالمخاطر، وسط غياب شبه تام لوسائل النقل الآمنة.

جنون الأسعار والبدائل الاضطرارية

لم يعد التنقل في غزة عبئًا جسديًا فقط، بل تحوّل إلى كلفة مالية مرهقة تثقل كاهل المواطنين يوميًا. في هذا السياق، يصف المواطن عبدالعزيز جبر واقع الحركة داخل القطاع بأنه "خانق ومُنهك"، مؤكدًا أن ما كان يومًا أمرًا بديهيًا أصبح اليوم قرارًا شاقًا.

ويقول جبر لوكالة شفق نيوز: "قبل الحرب كنا نتحرك بسهولة، ننزل على السوق، نذهب إلى المستشفى، ونرجع بدون تفكير. اليوم مجرد الخروج من الخيمة صار قرارًا متعبًا، لأن المواصلات قليلة وغالية، والسيولة شبه معدومة". 

ويضيف أن "أجرة المشوار الواحد الداخلي وصلت إلى 20 شيكل، إن توفرت وسيلة نقل أصلًا، بينما يرفض بعض السائقين نقل الركاب بسبب أزمة (الفِكة)، ما جعل التنقل عبئًا نفسيًا وماليًا متراكمًا على حياة الناس".

وسائل النقل والحصار

لم يتوقف استهداف قطاع المواصلات عند تدمير المركبات والمنشآت، بل امتد ليشمل شللًا اقتصاديًا واسعًا بفعل الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود وقطع الغيار، التي تجاوزت خمسة أضعاف قيمتها قبل الحرب.

ويؤكد المواطن مازن وشاح، لوكالة شفق نيوز، أن "أزمة المواصلات باتت تمسّ تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية"، موضحًا أن "محاولات التنقل أصبحت استنزافًا بلا نتيجة".

ويبين وشاح: "أحيانًا نصرف يوميًا 40 شيكل فقط من أجل محاولة التحرك، ومع ذا لا نصل إلى أي مكان، الطرق مسدودة والمواصلات قليلة، والوقود شبه معدوم. صرنا نحسب كل مشوار ألف حساب". 

ويشير إلى أن الوصول إلى المستشفيات أو زيارة الأقارب تحوّل إلى مخاطرة حقيقية، في ظل انعدام وسائل النقل الآمنة وتهالك الطرق.

70٪ خارج الخدمة

في حديث لوكالة شفق، قال الناطق باسم وزارة النقل والمواصلات في غزة، أنيس عرفات، إن ما يشهده القطاع هو "تدمير ممنهج لكافة ركائز منظومة النقل"، موضحًا أن "الحرب تسببت في خروج أكثر من 70% من المركبات العمومية والخاصة عن الخدمة، إما بفعل الاستهداف المباشر أو نتيجة انعدام الوقود وقطع الغيار".

وبحسب عرفات، فإن اعتماد المواطنين على وسائل بدائية كالعربات التي تجرها الدواب والعقلاه ليس عودة للماضي، بل مؤشر خطير على حجم الكارثة الإنسانية، حيث بات التنقل الآمن ترفًا لا يملكه سكان القطاع.

وأشار إلى أن "الارتفاع الجنوني في تكاليف النقل، إلى جانب أزمة السيولة ونقص الفِكة، فاقم من عزلة المواطنين، وهدد بقطع الأوصال الاجتماعية، وعرّض المرضى والجرحى لخطر عدم الوصول إلى المرافق الصحية في الوقت المناسب".

وحذّر عرفات، من انهيار ميكانيكي وشيك لما تبقى من المركبات العاملة، مؤكدًا أن "غزة تعيش أزمة غير مسبوقة في توفر قطع غيار السيارات".

وأوضح أن "تكلفة الصيانة اليومية ارتفعت من نحو 5 شواكل قبل الحرب إلى قرابة 100 شيكل حاليًا، ما انعكس مباشرة على المواطن بارتفاع الحد الأدنى لأجرة المواصلات من شيكل واحد إلى 5 شواكل".

وكشف عن تعمّد الاحتلال خنق هذا القطاع عبر السماح بإدخال أقل من 10% فقط من احتياجات السوق المحلية، وغالبها قطع غير أصلية تفتقر لمعايير السلامة.

صراع الرزق وطرق الموت

على الأرض، تتجسد الأزمة في شهادات السائقين، حيث يقول السائق مراد التعبان، لوكالة شفق نيوز، إن "سيارتي تضررت بشدة بفعل القصف، واضطررت إلى ترميمها بقطع غيار مستعملة وغير متوافقة فقط لإبقائها على قيد العمل".

ويضيف: "كل رحلة من غزة إلى خانيونس مغامرة حقيقية. الطرق مدمرة، والركام يملأ الشوارع، والحفر العميقة تهددنا في كل لحظة. نُجبر على تركيب أي قطعة متوفرة رغم خطورتها". 

ويتابع التعبان أن "سعر الوقود تضاعف ست مرات، ما أجبر السائقين على رفع الأجرة رغم إدراكهم لحجم معاناة المواطنين، قائلًا: "نشتغل تحت ضغط نفسي كبير. هذه المركبة المهترئة مصدر رزقي الوحيد، وأخرج بها كل يوم وأنا لا أعرف إذا كانت سترجع سالمة أو تتعطل في الطريق".

ويؤكد أن السائقين عالقون بين خطر الطريق وضرورة تأمين لقمة العيش، في ظل انهيار اقتصادي شامل.

وبين طرق مدمّرة، ووقود شحيح، وسيولة غائبة، يعيش سكان غزة واقعًا خانقًا جعل من أبسط حقوقهم - التنقل الآمن - حلمًا بعيد المنال. ومع استمرار شلل قطاع المواصلات، يحذر مختصون من أن توقف حركة المواطنين يعني توقف الحياة بكل أشكالها، في قطاع أنهكته الحرب واستنزفته الأزمات المتراكمة.