شفق نيوز- غزة 

على أطراف الخيام المهترئة، تحفر العائلات قسرًا أبارًا بدائية لتصريف المياه العادمة (مياه التصريف الصحي)، في مشهد يلخص انهيار أبسط مقومات الحياة الإنسانية في مناطق النزوح بقطاع غزة.

هذه الحفر، التي تلاصق أماكن المعيشة، لا تحمل فقط روائح خانقة، بل تخفي خطرًا صامتًا يتسلل إلى التربة والمياه، مهددًا صحة السكان بانتشار أمراض وبائية في بيئة مكتظة لا تحتمل مزيدًا من الكوارث.

بين الخيام في مواصي خانيونس تتجاور أماكن النوم مع مصادر التلوث، بينما تختلط روائح الصرف الصحي بحياة الناس اليومية، في انعكاس صارخ لانهيار البنية البيئية والصحية. ومع الانتشار الواسع لهذه الحفر قرب مصادر المياه التي يعتمد عليها السكان للشرب والاستخدام المنزلي، تتفاقم المخاطر الصحية على نطاق واسع، ليصبح التلوث واقعًا مفروضًا يطال مئات آلاف العائلات ويهدد مستقبلهم الصحي.

موت متربص

"أخشى أن أسقط في هذه الحفرة في أي لحظة"، تقول الستينية أم بهاء إسعيد لوكالة شفق نيوز، وهي تشير إلى حفرة الصرف الصحي، المعروفة بالحفرة الامتصاصية، المحفورة على بُعد خطوات من باب خيمتها للتخلص من المياه العادمة.

وتستعيد بقلق حادثة سقوط حفيدتها البالغة من العمر 11 عامًا داخل الحفرة، قبل أن يتدخل الجيران والشبان لإنقاذها، في ظل غياب أي بديل أو مساحة آمنة لحفر حفرة أخرى داخل المخيم المكتظ.

بينما تقول ولاء جندية: "نعيش في منطقة لا تليق بالبشر، الأطفال محاصرون بين الأمراض، وآبار مكشوفة تشكل خطرًا دائمًا على حياتهم. من حق الأطفال أن يعيشوا في بيئة آمنة وصحية، لا في هذا الواقع القاسي".

ويشير النازح عمر المنياوي، لوكالة شفق نيوز، إلى أن "الحفر الامتصاصية تحولت إلى مصدر تهديد يومي، لا سيما على الأطفال الذين يقضون معظم أوقاتهم بين الخيام والأزقة الضيقة".  

ويضيف أن "العائلات باتت تعيش بمحاذاة هذه الحفر دون أي فواصل حقيقية"، مؤكدًا أن "جميع أحفادي أصيبوا بأمراض معدية مثل اليرقان والتهابات الكبد، إلى جانب حالات مغص حادة ناتجة عن تلوث مياه الشرب".

تهديد للصحة والبيئة

ويوضح المهندس سعيد العكلوك، رئيس قسم مراقبة المياه والصرف الصحي في وزارة الصحة الفلسطينية لوكالة شفق نيوز، أن "الحفر الامتصاصية أصبحت وسيلة اضطرارية يلجأ إليها المواطنون للتخلص من المياه العادمة، بعد انهيار شبكة الصرف الصحي في غزة نتيجة الحرب وتدمير المحطات".

ويشير إلى أن هذه الحفر، التي تُنشأ بعمق يتراوح بين مترين وثلاثة أمتار حسب طبيعة التربة، تشكل خطرًا مزدوجًا: الخطر المباشر على الحياة: الأطفال وكبار السن معرضون للسقوط أو الانزلاق في الحفر المكشوفة، خصوصًا عند تكرار النزوح وترك الحفر دون إغلاق مناسب.

الخطر البيئي والصحي: الحفر تمثل حقنًا مباشرًا للمياه العادمة الخام في الخزان الجوفي، بما تحتويه من فيروسات وبكتيريا وطفيليات، ما يزيد من تلوث المياه الجوفية خاصة في المناطق الساحلية حيث يكون منسوب المياه قريبًا من السطح، فضلًا عن تصدعات التربة الناتجة عن القصف.

نصف مليون حفرة

ويؤكد العكلوك أن حصر عدد هذه الحفر بدقة أمر بالغ الصعوبة، لغياب الإمكانيات اللوجستية وتكرار النزوح وامتلاء الحفر، لكنه قدر عددها بحوالي 500 ألف حفرة تقريبًا خلال موجات النزوح المختلفة.

ولفت إلى أن "انتشار هذه الحفر أدى إلى ارتفاع نسب التلوث الميكروبيولوجي في الخزان الجوفي بنحو 25%، ما يجعل البيئة خصبة لانتشار الأمراض، مثل فيروس شلل الأطفال والكوليرا، مع احتمالية ارتفاع معدلات الوفيات في حال تفشي أي وباء".

ويشدد المهندس العكلوك الحلول الترقيعية لم تعد تجدي نفعاً، مشيراً إلى أن الحل الجذري يبدأ بإعادة تأهيل وتمديد شبكات الصرف الصحي، وتشغيل وصيانة محطات الضخ، للحد من الاعتماد على الحفر الامتصاصية التي وصفها بأنها مكروهة صحية وبيئية ذات تأثير بالغ الخطورة على الصحة العامة والمياه الجوفية والتربة.

ودعا إلى تضافر الجهود العربية والدولية لـ"إعادة بناء منظومة الصرف الصحي في غزة"، لافتًا إلى أن "نحو 99% من المنازل كانت متصلة بالشبكة قبل الحرب، بينما أصبح اليوم أكثر من 90% من المناطق غير مخدومة، ما يستدعي تحركًا عاجلًا لإعادة هذه المنظومة بكامل مكوناتها في أسرع وقت ممكن".