شفق نيوز- دمشق
تحوّلت الأراضي السورية، خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من أبرز ممرات تهريب المخدرات في المنطقة بالاضافة الى تحولها الى بيئة مصنعية للمواد المخدرة وابرزها "الكبتاغون".
ووفقاً لتقارير دولية، فإن سوريا تستخدم حدودها الجنوبية مع الأردن، والشمالية مع تركيا، وحتى المنافذ البحرية على الساحل، إلى جانب الحدود مع العراق، كمسارات نشطة لتهريب الكبتاغون والمخدرات بأنواعها.
وتتركز أغلب محاولات التهريب عبر مناطق الجنوب السوري، خصوصاً محافظة درعا والسويداء باتجاه الأردن، حيث كشفت السلطات الأردنية عن إحباط عشرات المحاولات التي وُصفت بأنها "مدعومة من جماعات منظمة ومسلحة"، كما تُعتبر الحدود الشمالية مع تركيا معبراً أساسياً لتهريب المواد المخدرة نحو أوروبا، عبر طرق غير شرعية تمر من إدلب وريف حلب.
وبحسب مصادر أممية، فإن شبكة التهريب السورية لا تعمل بشكل معزول، بل تمتد فروعها إلى لبنان والعراق والأردن وتركيا، مع تنسيق لوجستي وإنتاج صناعي لمادة "الكبتاغون" داخل الأراضي السورية، في مصانع صغيرة يصعب رصدها.
وأكد تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) الصادر في حزيران 2025، أن "سوريا ما تزال مركزاً رئيسياً لإنتاج الكبتاغون في الشرق الأوسط، رغم التغييرات السياسية والأمنية الأخيرة".
ولفت التقرير، إلى أن "شبكات التهريب باتت أكثر تعقيداً وانتشاراً، وتستخدم طرقاً عابرة للحدود تمر عبر الأردن والعراق وتركيا، مع رصد محاولات توسع نحو شمال إفريقيا وأوروبا".
كما حذّرت الأمم المتحدة من أن المخدرات القادمة من سوريا تُستخدم كمصدر تمويل لجماعات مسلحة، ما يشكّل تهديداً مزدوجاً أمنياً واجتماعياً للمنطقة.
ضربة استخباراتية مزدوجة
في 30 تموز 2025، كشفت وزارة الداخلية السورية، عن ضبط شحنة ضخمة من حبوب "الكبتاغون" في مستودع قرب دمشق، كانت مجهّزة للتهريب إلى العراق، حيث جاءت العملية بتنسيق استخباراتي مباشر مع جهاز مكافحة المخدرات العراقي، ما يعكس مستوىً جديداً من التعاون الأمني بين الجانبين.
وكانت الشحنة مرتبطة بشبكة إقليمية، سبق أن استخدمت طرق تهريب عبر تركيا وإقليم كوردستان العراق، قبل إحكام الخناق عليها.
ومنذ الإطاحة بالنظام السوري، بدأت الحكومة في دمشق حملة موسّعة ضد بقايا مصانع "الكبتاغون"، التي كانت مزروعة في ريف دمشق، درعا، وحمص، والتي وصفتها منظمات دولية بـ "الدولة الصناعية للمخدرات".
وضمن هذه الحملة، تم خلال الأشهر الماضية إحراق أكثر من مليون قرص، ومصادرة معدات تصنيع وتعليب، إلى جانب اعتقال شخصيات نافذة كانت محسوبة على النظام، أبرزهم وسيم الأسد، ابن عم الرئيس السابق بشار الأسد، بتهم تتعلق بالإشراف على التهريب.
العراق.. عمليات ضبط متصاعدة
وفي العراق، لم تكن الشحنة الأخيرة سوى واحدة من سلسلة ضربات أمنية متلاحقة، ففي آذار 2025، ضبطت الأجهزة الأمنية أكثر من 1.1 طن من "الكبتاغون" كانت مخبأة في شاحنة قادمة من سوريا عبر الأراضي التركية، وذلك بعد تنسيق معلوماتي مع السعودية.
وفي واقعة أخرى، أعلنت السلطات العراقية خلال شهر نيسان الماضي، إحباط محاولة تهريب 400 ألف حبة كبتاغون عبر نهر الفرات، باستخدام كاميرات حرارية، وفي الشهر ذاته، تم ضبط 30 ألف حبة في منطقة الباغوز الحدودية.
وكشفت بيانات وزارة الداخلية العراقية أن العام 2024 شهد ضبط أكثر من 10 أطنان من المواد المخدرة، واعتقال ما يزيد عن 6 آلاف متهم، بينهم متورطون في التهريب عبر سوريا، فيما شهد الربع الأول من 2025 وحده، اعتقال أكثر من 3 آلاف شخص على خلفية قضايا مخدرات.
أما في سوريا، فأعلنت إدارة مكافحة المخدرات، مصادرة ما يزيد عن 1.7 مليون قرص كبتاغون منذ مطلع العام الحالي، بعضها كان مخزّناً في مناطق حدودية مع الأردن والعراق.
القبض على أخطر مهربي المخدرات
وفي تطور أمني جديد، أعلنت إدارة مكافحة المخدرات السورية، يوم الجمعة 8 آب / أغسطس2025، إلقاء القبض على عامر جديع الشيخ، أحد أخطر مهربي وتجار المخدرات في المنطقة، وذلك بالتعاون مع أجهزة الأمن التركية، وفق ما نقلته وكالة "سانا" عن العميد خالد عيد مدير الإدارة.
وأوضح عيد، أن "العملية جاءت بعد رصد استخباراتي استمر لأشهر، حيث كان المتهم يستخدم هويات مزوّرة ويتنقل بين دول عدة، قبل أن يتم تتبعه حتى الأراضي التركية واعتقاله هناك".
ويُعدّ الشيخ شخصية محورية في شبكات تهريب "الكبتاغون" العابرة للحدود، ما يجعل توقيفه إضافة نوعية في مسار التنسيق الأمني الإقليمي.
أبعاد سياسية وجيوسياسية
في غضون ذلك، أشار مازن خلف، خبير أمني سوري، لوكالة شفق نيوز، إلى أن "ملف تهريب المخدرات بات يأخذ أبعاداً سياسية وأمنية معقّدة، خاصة مع تصاعد الإشارات لتدويل القضية، غير أن رفع العقوبات وعودة العلاقات الدولية مع دمشق وتحسن بيئة الاستثمار وتوثيق التعاون الأمني بين الاجهزة الامنية الدولية مع دمشق سيعزز من الحد باستمرار التصنيع او التجارة".
وتابع خلف، قائلاً إن "أغلب المراقبين يرون بما حدث في سورية ناتج عن الحاجة والفاقة والوصول السهل للأرباح وتمويل الحرب بطرق غير رسمية ابان نظام الأسد".
ورغم التحولات السياسية، لا تزال الحدود السورية‑العراقية والسورية - الاردنية يشكلان مسارين ساخنين في معركة مستمرة ضد أخطر أنواع المخدرات في المنطقة، وبينما تكثف دمشق جهودها لقطع شرايين التهريب، يبقى التنسيق والتقنيات الحديثة هما السبيل الوحيد لمواجهة هذا التحدي المتشعب.