شفق نيوز- بغداد

أكد مستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، مظهر محمد صالح، يوم الجمعة، أن العراق يعمل على تقليل هشاشة اقتصاده المرتبطة بتقلبات أسعار النفط، عبر حزمة من الإجراءات التي تستهدف زيادة الإيرادات غير النفطية، وإصلاح القطاعين المالي والمصرفي، ودعم القطاع الخاص، واستثمار الغاز والطاقة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.

وقال صالح لوكالة شفق نيوز، إن استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على النفط يجعل الإيرادات العامة والموازنة عرضة للتأثر المباشر بتقلبات أسعار النفط والإنتاج، خصوصاً مع ارتفاع الإنفاق الجاري وكلفة الرواتب والتقاعد والدعم والخدمات، مؤكداً أن تنويع مصادر الدخل أصبح من أكثر الملفات إلحاحاً لضمان الاستقرار المالي والاقتصادي.

وأوضح أن الحكومة تعمل على تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال تطوير الإدارة الضريبية والجمركية، ومكافحة التهرب، وتحسين أنظمة التحصيل، والتوسع في استخدام الدفع الإلكتروني، مشيراً إلى أن هذه الإيرادات ما زالت محدودة مقارنة بالعائدات النفطية، ما يجعل الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد متنوع عملية تدريجية تتطلب إصلاحات مستمرة.

وأشار صالح إلى أهمية إصلاح القطاع المصرفي باعتباره ركناً أساسياً في عملية التنويع الاقتصادي، من خلال إعادة هيكلة المصارف الحكومية، وتعزيز الرقابة، وتوسيع التعاملات الإلكترونية، وتوفير بيئة مصرفية قادرة على تمويل المشاريع الإنتاجية، ولا سيما المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

وبيّن أن القطاع الخاص يمثل المحرك الرئيس لأي عملية تنويع حقيقية، في ظل الإمكانات التي يمتلكها العراق في قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والخدمات والسياحة والاتصالات والطاقة، لافتاً إلى أن تطوير هذه القطاعات يتطلب معالجة تحديات البنية التحتية والتمويل والبيروقراطية والمنافسة غير المتكافئة مع القطاع العام.

وفي ملف الطاقة، أكد صالح أن استثمار الغاز المصاحب والغاز الطبيعي المحلي يمثل فرصة اقتصادية مهمة، ليس من خلال توفير مورد إضافي للدولة فقط، وإنما أيضاً عبر تقليل الحاجة إلى استيراد الغاز لتشغيل محطات إنتاج الكهرباء، وبالتالي تقليل استنزاف العملة الصعبة والضغط على الموازنة، مع إمكانية توجيه الغاز إلى صناعات بتروكيميائية وإنتاج الأسمدة وغيرها من القطاعات ذات القيمة المضافة.

وشدد على أن الإصلاح المالي لا يرتبط بزيادة الإيرادات فقط، وإنما يتطلب كذلك إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وحماية الإنفاق الاستثماري المنتج، والحد من التوسع غير المدروس في النفقات الجارية، خصوصاً أن استمرار نمو الإنفاق الجاري يجعل المالية العامة أكثر حساسية لأي انخفاض في الإيرادات النفطية.

ولفت إلى أن التوظيف الحكومي يمثل أحد أبرز التحديات أمام المالية العامة، بعدما أصبح الإنفاق الحكومي قناة رئيسة لتحويل العائدات النفطية إلى دخول مباشرة للأسر، مبيناً أن استمرار التوسع في هذا المسار يحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو الاستثمار والخدمات، ويعزز اعتماد الاقتصاد على الإنفاق الحكومي.

وأكد أن التحدي لا يتمثل في امتلاك الخطط والاستراتيجيات الاقتصادية فحسب، وإنما في القدرة على تنفيذها بصورة مستمرة وتحويلها إلى إصلاحات مؤسسية قابلة للقياس، بما يؤدي إلى تغيير تدريجي في بنية الاقتصاد ومصادر الدخل.

وبحسب صالح فإن العراق يحتاج إلى نموذج اقتصادي يجعل النفط مورداً مهماً لتمويل التنمية، وليس المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة، مبيناً أن صندوق العراق للطاقة والتنمية يمثل استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل الأصول النفطية إلى أصول رأسمالية منتجة.

وأردف أن الخطط المالية تقوم على ثلاثة مسارات متوازية تتمثل في زيادة الإيرادات غير النفطية، وتقليص الاعتماد على الإنفاق الجاري، وتوسيع قاعدة الإنتاج الخاص، مؤكداً أن نجاح هذه المسارات من شأنه تعزيز قدرة العراق على مواجهة انخفاض أسعار النفط والصدمات الخارجية.

وأكمل أن تحويل جزء من الثروة النفطية من الإنفاق الاستهلاكي قصير الأجل إلى استثمارات منتجة يمكن أن يسهم في بناء قطاعات اقتصادية قادرة على توفير الإيرادات وفرص العمل لعقود مقبلة، فيما يعني استمرار النموذج الحالي بقاء المالية العامة عرضة لدورات الهبوط في أسعار النفط وقدرتها على تمويل النفقات والالتزامات.

وختم صالح بالتشديد على أن تنويع الاقتصاد العراقي ضرورة ملحة ترتبط بالاستقرار المالي والاجتماعي والسيادي للدولة، بدلاً من كونه مجرد خيار اقتصادي، مؤكداً أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة يكمن في تحويل الخطط والإصلاحات إلى نتائج ملموسة تجعل الاقتصاد أقل اعتماداً على النفط وأكثر قدرة على الاستناد إلى موارده الإنتاجية المتنوعة.