شفق نيوز - بغداد

أكد رئيس مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية الخبير منار العبيدي، اليوم الجمعة، أن نتائج التعداد السكاني الأخير أظهرت أرقامًا تضع العراق أمام تحدٍّ اقتصادي واجتماعي كبير، قد يفوق في ثقله تحديات الموازنة وتقلبات الإيرادات النفطية، مشيراً إلى أن القضية لا تتعلق بالنمو السكاني وحده، بل بقدرة الاقتصاد على تحويله إلى قوة إنتاجية، وتوفير فرص العمل والخدمات للأجيال الجديدة.

وأجرى العراق في شهر شباط/ فبراير 2025 تعداداً سكانياً عاماً، وقد أظهرت النتائج أن عدد سكان البلاد يبلغ 46 مليوناً و118 ألف نسمة، بعدما ذكرت النتائج الأولية التي أُعلنت في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2025 أن عددهم يبلغ 45 مليوناً و407 آلاف نسمة.

وقال العبيدي في منشور له، إنه "تبرز في الأرقام الواردة حقيقتان أساسيتان: الأولى أن عدد سكان العراق يزداد بنحو مليون نسمة أو أكثر سنويًا، والثانية أن من تقل أعمارهم عن 25 عامًا يشكلون أكثر من 44٪ من السكان، أي قرابة 20 مليون نسمة، مقابل نحو 26 مليونًا في الفئات العمرية الأكبر"، مبينا أن "هذا يعني أن شريحة واسعة من المجتمع إما تستعد لدخول سوق العمل، أو بدأت بالفعل البحث عن فرصة فيه".

ونوه إلى أن "الوافدين الجدد إلى سوق العمل يُقدر بنحو 500 ألف شخص سنويًا، يُضاف إليهم رصيد قائم من العاطلين يتجاوز المليون ونصف المليون، تتركز نسبته الأعلى بين الشباب"، معتبراً أن "استهداف مليون فرصة عمل جديدة سنويًا هو هدف مبرَّر يجمع بين استيعاب الداخلين الجدد وتقليص رصيد البطالة القائم تدريجيًا خلال ثلاث إلى أربع سنوات. وإذا اكتُفي باستيعاب الداخلين الجدد وحدهم، بقيت البطالة القائمة على حالها، وتحولت إلى عبء اجتماعي دائم".

ونبه الخبير الاقتصادي إلى أنه "لا يمكن الوصول إلى هذا الرقم بالمشاريع الصغيرة وحدها، فهي توظف في العراق ما بين ثلاثة وعشرة أشخاص في المتوسط، ولا تنشأ عادة إلا حيث يوجد طلب قائم يسبقها. لذلك تبرز الحاجة إلى قاعدة من المشاريع الاستراتيجية الكبرى، تنشأ حولها شبكة واسعة من المشاريع المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر"، موضحاً أنه "يمكن، ضمن هذا التصور، استهداف إنشاء ما بين 100 و150 مشروعًا استراتيجيًا سنويًا في قطاعات الطاقة والنفط والمياه والزراعة والصناعات التحويلية، يوظف كل منها نحو ألف عامل مباشر، أي ما بين 100 و150 ألف فرصة مباشرة".

وتابع بالقول "أما بقية مستهدفات التوظيف، فيأتي من المضاعف الاقتصادي لهذه المشاريع. فمشروع كبير لتربية الأبقار وإنتاج الحليب لا تقتصر آثاره على العمالة المباشرة داخله، بل تمتد إلى أنشطة إنتاج الأعلاف، والتصنيع الغذائي، والتعبئة والتغليف، والنقل والتبريد، والطاقة والصيانة والخدمات البيطرية. ومع اتساع النشاط، تنشأ احتياجات إضافية إلى السكن والتجارة والخدمات الصحية والتعليمية".

وقال العبيدي إن "التجارب المقارنة تشير إلى أن كل وظيفة مباشرة في مشروع إنتاجي كبير تولّد ما بين ثلاث وخمس وظائف غير مباشرة في محيطه، بحسب حجمه وموقعه ومدى ارتباطه بالموردين المحليين. وبذلك يمكن لمئة وخمسين مشروعًا استراتيجيًا أن تحرك ما بين 400 و750 ألف فرصة عمل إضافية، تتوزع على عشرات الآلاف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تنشأ حولها"، مؤكداً أن "القيمة الاقتصادية للمشروع الاستراتيجي تُقاس بما يتيحه من فرص إنتاج واستثمار في محيطه، لا بعمالته المباشرة وحدها".

وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن "خلق فرصة عمل منتجة في القطاعات الصناعية والزراعية يتطلب استثمارًا يتراوح بين 20 و50 ألف دولار للفرصة الواحدة، بحسب القطاع وكثافة رأس المال فيه. وباعتماد متوسط ثلاثين ألف دولار، فإن هدف المليون فرصة يعني استثمارًا سنويًا يقارب 30 مليار دولار، أي نحو 40 تريليون دينار، وهو رقم يتجاوز ما تنفذه الموازنة الاستثمارية فعليًا في أفضل سنواتها"، مؤكداً أن "هذا يقود إلى استنتاج واضح: لا يمكن للدولة أن تكون الممول الرئيسي لهذا الهدف، وإنما دورها تهيئة البيئة التي تجذب رأس المال الخاص المحلي والأجنبي وتحمله الجزء الأكبر من هذا العبء.

واختتم العبيدي قائلا، إنه "يمكن توجيه هذه المشاريع إلى مناطق جديدة خارج المراكز الحضرية المكتظة، حيث تتوافر المقومات المناسبة من مياه وطاقة ونقل وموارد بشرية. وتنمو حولها، وفق تخطيط متكامل، تجمعات سكنية وخدمات أساسية، بما يخفف الضغط عن المدن ويحقق استفادة أفضل من المساحات الواسعة التي يمتلكها العراق".