شفق نيوز- كركوك

تشهد أسواق المواد الإنشائية في محافظة كركوك موجة ارتفاع جديدة، بالتزامن مع بدء تنفيذ قرار حكومي برفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية المجهزة للقطاعات الاقتصادية، وسط مخاوف من انعكاس زيادة كلف الوقود والطاقة والنقل على المواطنين وأصحاب المشاريع السكنية.

وسجل سعر طن الإسمنت قفزة من نحو 90 ألف دينار إلى 145 ألفاً، فيما ارتفع سعر رزمة خرسانة البناء "ألف بلوكة" بنحو 100 ألف دينار، بحسب متعاملين في السوق، في وقت يؤكد أصحاب معامل الإسمنت أن كلفة الوقود المجهز لمعاملهم ارتفعت من نحو ثلاثة ملايين دينار إلى أكثر من 13 مليوناً، ما انعكس بصورة مباشرة على تكاليف الإنتاج.

وقال متعاملون في سوق المواد الإنشائية بكركوك، في أحاديث لوكالة شفق نيوز، إن أسعار عدد من المواد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً منذ مطلع الشهر الجاري، مؤكدين أن الإسمنت كان في مقدمة المواد التي سجلت قفزة كبيرة.

وقال حسن أحمد، أحد المتعاملين بالمواد الإنشائية في كركوك، لوكالة شفق نيوز، إن "الأسعار شهدت ارتفاعاً سريعاً خلال فترة قصيرة، ولم يعد الأمر مقتصراً على مادة واحدة، وإنما شمل الإسمنت والحديد والزجاج والبلوك وغيرها من المواد الأساسية التي يحتاجها المواطن في عمليات البناء".

وأضاف أن "ارتفاع أسعار الوقود والطاقة والنقل ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج والنقل والتوزيع، وبالتالي يصل أثره في النهاية إلى المستهلك"، مبيناً أن السوق المحلية باتت تواجه ضغوطاً متزامنة بسبب ارتفاع كلف المواد الأولية والتشغيل والنقل.

من جانبه، قال البائع حامد علي، لوكالة شفق نيوز، إن "البائع لا يستطيع في كثير من الأحيان التحكم بالسعر النهائي، لأن المادة تصل إليه بسعر أعلى من السابق"، داعياً الجهات الحكومية إلى مراقبة سلسلة التجهيز من المعمل إلى الموزع وصولاً إلى السوق، لمعرفة أسباب الارتفاع وتحديد ما إذا كانت الزيادة مرتبطة فعلاً بارتفاع كلف الإنتاج والنقل أم أن هناك مبالغة في الأسعار.

كلفة الوقود

وفي المقابل، يقدم أصحاب معامل الإسمنت تفسيراً لجزء من هذه الارتفاعات، مؤكدين أن كلف التشغيل شهدت قفزة كبيرة بعد ارتفاع أسعار الوقود المجهز للمعامل.

وقال أحد أصحاب معامل الإسمنت في كركوك، ويدعى جليل الصالحي، لوكالة شفق نيوز، إن "معامل الإسمنت كانت تتسلم الوقود المشغل للمعامل بكلفة تبلغ نحو ثلاثة ملايين دينار، إلا أن هذه الكلفة ارتفعت اليوم إلى أكثر من 13 مليون دينار".

وأضاف الصالحي أن "هذه الزيادة الكبيرة في كلفة الوقود انعكست بصورة مباشرة على تكاليف الإنتاج وأسعار مادة الإسمنت في الأسواق"، مبيناً أن المعامل تواجه أعباء إضافية تتعلق بالطاقة والتشغيل والنقل، ما يجعل من الصعب المحافظة على الأسعار السابقة.

وأوضح أن "المعمل لا يستطيع تحمل الزيادة الكبيرة في تكلفة الوقود من دون أن تنعكس على سعر المنتج"، داعياً الحكومة إلى إعادة النظر في أسعار الوقود المجهز للمعامل، بما يضمن استمرار الإنتاج ويحافظ في الوقت ذاته على قدرة المواطنين على شراء مواد البناء.

وتكشف الأرقام التي قدمها صاحب المعمل عن ارتفاع كلفة الوقود من نحو ثلاثة ملايين إلى أكثر من 13 مليون دينار، أي بزيادة تتجاوز أربعة أضعاف الكلفة السابقة، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تواجهه معامل الإسمنت في كلف التشغيل، وإن كانت هذه الزيادة لا تعني بالضرورة أن كاملها ينعكس على سعر طن الإسمنت.

وتتزامن هذه الارتفاعات مع دخول قرار حكومي حيز التنفيذ بشأن رفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية المجهزة للقطاعات الاقتصادية، بعد أن أقر مجلس الوزراء في آب الماضي رفع الدعم عن أسعار المنتجات النفطية للقطاعات كافة اعتباراً من الأول من أيلول 2026، مع استثناء المنتجات الرئيسة المجهزة للمواطنين حصراً.

وكانت الحكومة قد اعتمدت في وقت سابق أسعاراً مدعومة لعدد من القطاعات الصناعية، ومنها تجهيز معامل الإسمنت بزيت الوقود بسعر يعادل 60 بالمئة من السعر العالمي، وهو ما يعني أن انتقال القطاع إلى أسعار أعلى للوقود يرفع كلف التشغيل والإنتاج بالنسبة للمعامل.

ويرى أصحاب معامل ومتعاملون بالمواد الإنشائية أن صناعة الإسمنت من الصناعات التي تتأثر بصورة مباشرة بأسعار الوقود والطاقة، بسبب اعتماد عمليات الإنتاج والنقل على كميات كبيرة من الطاقة، فضلاً عن ارتباط أسعار المادة بأجور النقل من مواقع الإنتاج إلى مراكز التوزيع والأسواق المحلية.

ويقول متعاملون إن أي زيادة في سعر الوقود لا تقف عند حدود المعمل، وإنما تنتقل عبر سلسلة طويلة تبدأ من كلفة الإنتاج، ثم النقل والتفريغ والخزن والتوزيع، وصولاً إلى السعر الذي يدفعه المواطن.

لكن مواطنين يرون أن الزيادات المسجلة في السوق تتجاوز في بعض الأحيان حجم الزيادة المفترضة في كلفة الإنتاج، مطالبين الجهات الرقابية بالكشف عن حقيقة الأسعار التي تخرج بها المواد من المعامل ومقارنتها بالأسعار التي تباع بها في الأسواق.

وقال صابر جمال، لوكالة شفق نيوز، إن "الارتفاع الحالي جعل المواطن أمام مشكلة حقيقية، فالشخص الذي بدأ بناء منزله على مراحل لم يعد يعرف كيف يستطيع إكماله في ظل الارتفاع المستمر بأسعار المواد".

وأضاف أن "ارتفاع سعر الإسمنت وحده ينعكس على كامل كلفة البناء، لأن الإسمنت يدخل في أعمال الأساس والسقوف والجدران والعديد من مراحل البناء، فضلاً عن أن ارتفاع سعر البلوك والحديد يزيد العبء أكثر".

وطالب جمال الحكومة بـ"التدخل العاجل لضبط السوق ومراقبة الأسعار، خصوصاً أن المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة"، مشيراً إلى أن أصحاب الدخل المحدود والموظفين يعتمدون على مدخراتهم ورواتبهم لبناء مساكنهم ولا يستطيعون تحمل الزيادات المتتالية.

من جهتها، قالت مريم كريم، وهي موظفة حكومية، لوكالة شفق نيوز، إن "بناء منزل أصبح من أصعب المشاريع بالنسبة للموظف، لأن الراتب لم يرتفع بما يتناسب مع الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء".

وأضافت أن "المواطن يسمع في كل مرة عن أسباب جديدة لارتفاع الأسعار، من الوقود إلى النقل والكهرباء والمواد الأولية، لكن النتيجة واحدة، وهي أن المواطن يدفع الفارق من جيبه".

وتساءلت كريم عن آليات الرقابة على السوق، قائلة إن "رفع الدعم عن القطاعات الاقتصادية قد تكون له مبررات مالية واقتصادية، لكن من الضروري أن تكون هناك إجراءات تمنع انتقال كامل الكلفة، أو أكثر منها، إلى المستهلك النهائي".

ويربط متعاملون الارتفاع أيضاً بزيادة كلف الكهرباء الصناعية وأجور النقل التجاري، فضلاً عن أسعار المواد الأولية وحركة الاستيراد وأسعار المواد في الأسواق الخارجية.

كما أن التوترات العسكرية في المنطقة يمكن أن تؤثر في كلف النقل التجاري وحركة البضائع عبر الحدود، الأمر الذي ينعكس على المواد المستوردة أو المواد التي تعتمد صناعتها على مدخلات مستوردة.

ويحذر أصحاب مشاريع البناء من أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى تباطؤ حركة البناء في المحافظة، خصوصاً بالنسبة للمشاريع الفردية التي ينفذها المواطنون من مدخراتهم الخاصة.

ويرى مختصون في السوق أن معالجة المشكلة لا تتطلب بالضرورة إعادة الدعم بالشكل السابق فقط، وإنما تحتاج إلى وضع آلية واضحة لتحديد كلف الإنتاج الحقيقية، ومراقبة أسعار بيع الإسمنت والحديد والبلوك، ومنع استغلال القرارات الاقتصادية لرفع الأسعار بصورة تفوق الزيادة الفعلية في كلفة الإنتاج.