شفق نيوز- بغداد

يتجدد النقاش في العراق بشأن جدوى اللجوء إلى الاقتراض الخارجي من صندوق النقد الدولي، في ظل التحديات المالية التي تواجه البلاد واعتماد الموازنة العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، وسط تساؤلات عن طبيعة الإصلاحات الاقتصادية التي قد ترافق أي برنامج اقتراض، وانعكاساتها المحتملة على الإنفاق الحكومي والضرائب والرسوم والدعم المقدم للمواطنين.

وفي وقت تبرز فيه أهمية إصلاح المالية العامة وتنويع مصادر الإيرادات، يطرح خبراء اقتصاديون تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين صندوق النقد الدولي والدول المقترضة، ومدى ارتباط التمويل بإصلاح السياسات الاقتصادية، فضلاً عن ضرورة توجيه القروض نحو مشاريع استثمارية قادرة على تحقيق عوائد تضمن استدامة سداد الديون.

شروط واجبة التنفيذ

ويقول الخبير المالي علي دعدعوش، لوكالة شفق نيوز، إن صندوق النقد الدولي لا يمنح القروض إلا وفقاً لبعض الشروط التي يضعها، معتقداً أن هذه الشروط قد تتمثل في خفض فاتورة الإنفاق الحكومي وتعزيز الإيرادات غير النفطية، من خلال فرض الضرائب أو زيادة الرسوم على بعض الخدمات الحكومية المقدمة للمواطنين، مثل رسوم التسجيل العقاري ورسوم المرور وغيرها، فضلاً عن رفع الدعم الحكومي عن الطاقة أو بعض مفردات البطاقة التموينية.

ويتساءل دعدعوش، عما إذا كان العراق يمتلك مشاريع استثمارية كبيرة أو استراتيجية تدفعه إلى طلب الاقتراض من الخارج، مشيراً إلى أن الاقتراض الخارجي ينبغي أن يُوظف في تمويل مشاريع مدرّة للدخل أو ذات عوائد اقتصادية، بما يضمن وجود موارد مستدامة لتسديد فوائد القروض وأصل الدين.

ويؤكد أن أهمية الاقتراض لا تتعلق بالحصول على الأموال فحسب، بل بكيفية استخدامها ومدى قدرة المشاريع الممولة على تحقيق إيرادات تتيح تسديد الالتزامات المالية، بدلاً من أن تتحول القروض إلى أعباء إضافية على المالية العامة من دون تحقيق عوائد اقتصادية كافية.

الإصلاحات

من جانبه، يرى الخبير المالي محمود داغر والمدير السابق في البنك المركزي، أن صندوق النقد الدولي ترك قضية المشروطية بصيغتها التقليدية، وأصبحت القروض تُمنح على أساس إصلاح السياسات الاقتصادية، من خلال برنامج يجري الاتفاق عليه بين الصندوق والدولة الراغبة في الاقتراض.

ويوضح داغر، لوكالة شفق نيوز، أن هذا النموذج يختلف عن المشروطية التقليدية، إذ يقوم على جعل السياسات الاقتصادية الكلية هدفاً مشتركاً للطرفين؛ فبالنسبة إلى الجهة الدائنة، يتمثل الهدف في ضمان تحصيل الدين، بينما تسعى الدولة المدينة إلى تطوير اقتصادها بالاستفادة من الخبرة والإمكانات التي يمتلكها صندوق النقد الدولي.

وبين الرؤيتين، تبقى طبيعة البرنامج الاقتصادي الذي قد يتفق عليه العراق مع الصندوق، وأولويات الإصلاح التي يتضمنها، من العوامل الأساسية في تحديد أثر الاقتراض على الاقتصاد العراقي، ولا سيما ما يتعلق بخفض الإنفاق، وتنمية الإيرادات غير النفطية، وحماية الفئات الأكثر تأثراً بأي إجراءات مالية، فضلاً عن ضمان توجيه الأموال نحو أنشطة ومشاريع تسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على توليد الإيرادات وسداد الديون.

رفع الوقود والكهرباء

في غضون ذلك، ينبه الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، في منشورعلى منصة فيسبوك، إلى أن مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تحدثت عن تقدم العراق بطلب للحصول على برنامج تمويلي لتغطية العجز في الموازنة العامة، مشيراً إلى أن الدين الداخلي تجاوز 109 تريليونات دينار، فيما انخفض الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي العراقي إلى 75.6 مليار دولار.

وبحسب المرسومي، تبلغ الديون الخارجية الواجبة السداد على العراق نحو 13 مليار دولار، بعد استبعاد ديون حقبة النظام السابق المعلقة وغير المطالب بها، فيما يصل إجمالي الدين الخارجي المسجل، بما يشمل تفاصيله التاريخية، إلى نحو 54 مليار دولار.

ويبين أن الاقتراض من الصندوق قد يكون أقل كلفة من التمويل عبر الأسواق، لكنه قد يرتبط بإجراءات إصلاحية تشمل الحد من فاتورة الأجور، وتقنين البطاقة التموينية، وتعزيز جباية الكهرباء، وتنويع موارد القطاع غير النفطي.

ويلفت النظر إلى أن الاتفاق يتطلب، وفق تقديره، توقيع رئيس الوزراء وثيقة للإصلاح الاقتصادي تمهد لمناقشة سياسات إعداد الموازنة وإدارة الدين وسعر الصرف والنفقات والتوظيف.

أسقط مبرر الدولار

في المقابل، يؤكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، أن العراق وبعد أن تقدم بطلب للحصول على قروض من صندوق النقد الدولي، بات أول دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتخذ هذه الخطوة، مشيراً إلى أن مفاوضات بين الجانبين بدأت بالفعل، وسط توقعات بدعم الصندوق حصول العراق على تمويل.

ويشير الهاشمي، في تدوينة له على فيسبوك، أن مصادر في صندوق النقد أفادت ببدء المفاوضات بين العراق ومسؤولي الصندوق، وأن الأخير سيدعم بقوة حصول البلاد على دعم مالي.

واعتبر أن التوجه نحو الاقتراض يثير تساؤلات بشأن موقف الحكومة من قرار خفض سعر صرف الدينار، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء كان قد برر خفض سعر الصرف بتجنب اللجوء إلى إجراءات أكثر إيلاماً، من بينها الاقتراض الخارجي.

وأشار إلى أن كلفة الاقتراض من صندوق النقد قد تظهر تدريجياً بعد تسلم الحكومة الدفعة الأولى من التمويل، معتبراً أن توصيات الصندوق التي طُرحت خلال الفترة الماضية قد تتحول، في حال إبرام اتفاق، إلى شروط ملزمة التنفيذ للحكومة خلال المرحلة المقبلة.

وأعلنت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، يوم امس السبت أن العراق طلب الدخول في برنامج مع الصندوق، في خطوة تفتح الباب أمام  تمويلاً وقروضاً مالية.

ويأتي هذا التوجه في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات تتعلق بالاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وضغوط الإنفاق العام، والحاجة إلى تنويع مصادر الدخل وتعزيز الإيرادات غير النفطية.