شفق نيوز- بغداد

أظهر رصد خاص أجرته وكالة شفق نيوز ارتفاع حجم الإصدار النقدي العراقي إلى 113.560 تريليون دينار في أيار/ مايو 2026، بزيادة بلغت نحو 13.761 تريليون دينار، أو 13.8%، مقارنة بنهاية كانون الأول/ ديسمبر 2025، وسط ضغوط مالية متصاعدة دفعت الحكومة إلى البحث عن سيولة تكفل تسديد الرواتب والنفقات الأساسية.

وبحسب البيانات التي تابعتها الوكالة، ارتفع الإصدار النقدي من 99.799 تريليون دينار في كانون الأول/ ديسمبر 2025 إلى 101.431 تريليوناً في كانون الثاني/ يناير 2026، ثم إلى 104.614 تريليونات في شباط/ فبراير، و108.985 تريليونات في آذار/ مارس، قبل أن يصعد إلى 112.896 تريليوناً في نيسان/ أبريل و113.560 تريليوناً في أيار/ مايو.

وسجلت الزيادة الشهرية أعلى مستوياتها في آذار/ مارس، عندما ارتفع الإصدار بنحو 4.371 تريليونات دينار، تلتها زيادة قدرها 3.911 تريليونات في نيسان/ أبريل، فيما تباطأت الزيادة خلال أيار/ مايو إلى نحو 664 مليار دينار.

وتأتي هذه الزيادة في وقت تواجه فيه المالية العامة فجوة متنامية بين الإيرادات والنفقات، بالتزامن مع اضطراب تدفقات الإيرادات النفطية وتأخر إطلاق رواتب عدد من مؤسسات الدولة، ما زاد الحاجة إلى توفير الدينار العراقي داخل النظام المصرفي.

وقال الخبير المالي والمصرفي محمود داغر، الذي شغل سابقاً منصب مدير عام في البنك المركزي العراقي، لوكالة شفق نيوز، إن "الإصدار النقدي بحد ذاته ليس أمراً استثنائياً، بل يمثل إحدى العمليات الاعتيادية التي ينفذها البنك المركزي، إلا أن الأوضاع الحالية تفرض اختيار الأدوات الأقل إيلاماً والقادرة على تخفيف حدة الأزمة".

وأضاف أن "الإصدار النقدي المستخدم لتغذية عمليات خصم الحوالات أصبح في الوقت الراهن الأداة الوحيدة المتاحة خلال هذه الفترة القصيرة، ومن المرجح استمرار العمل بها خلال الشهر المقبل، إلى حين اتخاذ قرارات وإجراءات أخرى".

وأوضح داغر أن "احتمال مساهمة هذه السياسة في ارتفاع التضخم أو الضغط على الاحتياطي الأجنبي يبقى قائماً، إلا أن البلاد مضطرة إلى تحمل هذا الخيار باعتباره أخف الضررين في ظل الظروف الراهنة، ولا ينبغي تهويله رغم صعوبته".

وأشار إلى أن "العراق يواجه أزمة حقيقية ولا يمتلك حلولاً مثالية، كما لا تتوافر أمامه مساعدات خارجية أو أموال في صندوق سيادي يمكن اللجوء إليها، فضلاً عن محدودية منافذ تصدير النفط البديلة، ولذلك تبقى الخيارات المتاحة ضيقة".

الرواتب تلتهم الإيرادات

وتكشف بيانات تنفيذ الموازنة الاتحادية حتى نهاية أيار/ مايو 2026 عن بلوغ الإيرادات العامة 33.747 تريليون دينار، مقابل مصروفات قدرها 45.070 تريليوناً، ما يعني تسجيل فجوة فعلية تقارب 11.323 تريليون دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام.

واستحوذت تعويضات الموظفين على نحو 25.556 تريليون دينار، بما يعادل قرابة 57% من إجمالي المصروفات المسجلة، بينما بلغت نفقات الرعاية الاجتماعية 11.373 تريليوناً. وظلت الإيرادات النفطية المصدر الرئيس لتمويل الدولة، بعدما شكلت 84% من مجموع الإيرادات العامة.

وتحتاج الحكومة شهرياً إلى أكثر من ثمانية تريليونات دينار لتغطية الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية وتخصيصات الرعاية الاجتماعية، ما يجعل أي تراجع في الإيرادات النفطية أو تأخر في تحويل الدولار إلى الدينار ينعكس سريعاً على مواعيد التمويل.

وتصاعدت أزمة السيولة خلال الأسابيع الأخيرة مع تأخر تمويل الرواتب، فيما قالت الحكومة إنها تعمل على تأمين الأموال من خلال الاقتراض الداخلي، وقد تلجأ إلى الاقتراض الخارجي إذا استمرت اضطرابات تصدير النفط. كما عزت تصريحات نيابية التأخير إلى الوقت اللازم لتحويل الموارد المتاحة من العملة الأجنبية إلى الدينار العراقي.

ولا تعني زيادة العملة المصدرة تلقائياً أن البنك المركزي طبع نقوداً بلا مقابل لتمويل الرواتب، إذ تتضمن إدارة العملة عمليات إحلال الأوراق التالفة وتلبية الطلب الموسمي على النقد، إلى جانب توفير السيولة للمصارف وخصم حوالات الخزينة.

وكان البنك المركزي العراقي قد شدد على وجود فرق جوهري بين "خصم حوالات الخزينة" و"طباعة العملة"، موضحاً أن الخصم يوفر سيولة مؤقتة مقابل أداة دين حكومية تسترد عند استحقاقها، بينما تعني الطباعة بالمعنى الاقتصادي إصدار أموال جديدة بلا مقابل وضخها بصورة دائمة، بما قد يؤدي إلى التضخم وتآكل قيمة الدينار.

وأكد البنك أن استخدام الأدوات النقدية في الظروف الاستثنائية يجب أن يبقى منضبطاً ومؤقتاً، وألا يتحول إلى قناة دائمة لتمويل النفقات الحكومية، محذراً من نقل الاختلالات المالية إلى السياسة النقدية والقوة الشرائية للمواطنين.

ويقول مختصون إن الخطر لا يرتبط بزيادة الإصدار النقدي وحدها، بل بالمدة التي تستمر خلالها الزيادة، ومقدار ما يقابلها من احتياطيات وأصول وإيرادات حكومية، ومدى قدرة وزارة المالية على سداد حوالات الخزينة عند استحقاقها.

وتحدث المختصون لوكالة شفق نيوز أنه في حال استمرار اللجوء إلى السيولة النقدية من دون معالجة أصل الأزمة المتمثل في تضخم النفقات الجارية واعتماد الخزينة شبه الكامل على النفط، قد تنتقل الضغوط تدريجياً إلى مستويات الأسعار وسعر صرف الدينار والاحتياطي الأجنبي، وهو ما يجعل الإصدار النقدي جسراً مؤقتاً لتجاوز الأزمة، لا حلاً دائماً لها.