شفق نيوز- بغداد

كشف المستشار المالي والاقتصادي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، يوم الأربعاء، عن أبرز الملامح والتحديات التي تواجه موازنة العراق لعام 2027، مؤكداً أن صورتها النهائية لم تتضح بعد، بانتظار إقرار مشروع القانون من مجلس الوزراء وإحالته إلى مجلس النواب.

وقال صالح، لوكالة شفق نيوز، إن "الصورة الكاملة لموازنة العراق لعام 2027 لم تتضح بعد، ما لم ينتهِ مجلس الوزراء من مناقشة وإقرار مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية وإحالته إلى مجلس النواب".

وأوضح أن "المؤشرات الأولية لا تكفي وحدها للحكم على اتجاهات السياسة المالية في العام المقبل، ما لم تتضح بصورة نهائية تقديرات الإيرادات وسقف الإنفاق، بشقيه التشغيلي والاستثماري، وأولويات البرامج والمشروعات، ولاسيما الاستثمارية منها، فضلاً عن حجم العجز المخطط والافتراضات الخاصة بمتوسط سعر برميل النفط وكميات التصدير المتوقعة".

وأضاف صالح، أن هذه المؤشرات تكتسب أهمية استثنائية في ظل الظروف الاقتصادية والمالية التي يمر بها العراق، مبيناً أن "أي تقدير غير واقعي للإيرادات أو الإنفاق يمكن أن ينعكس مباشرة على حجم العجز والحاجة إلى التمويل، وعلى قدرة الدولة على الاستمرار في تنفيذ برامجها الاستثمارية والوفاء بالتزاماتها التشغيلية".

وأشار صالح، إلى أن "الملامح الأولية تشير إلى أن مشروع موازنة 2027 صُمم، إلى حد كبير، على افتراضات أقرب إلى ظروف اقتصاديات السلام والاستقرار، وأن بعض مؤشراته وثوابته تحاكي مسارات سنة أساس مالية سبقت الحرب وأزمة هرمز التي اندلعت في 28 شباط من هذا العام، وما رافقها من اضطرابات وخسائر وأضرار اقتصادية كبيرة تعرض لها العراق".

وتابع قائلاً إن التحدي الأساسي يتمثل في مدى قدرة موازنة قائمة على افتراضات الاستقرار على استيعاب اقتصاد لا يزال يتعامل مع تداعيات الحرب والاضطرابات الإقليمية وانعكاساتها على التجارة والنقل والطاقة وأسعار النفط وكلفة الاستيراد وسلاسل التجهيز.

ولفت صالح، إلى أن اعتماد فرضيات أقرب إلى اقتصاديات السلام قد يكون مفهوماً من زاوية الحفاظ على مسار مالي مستقر، لكنه يتطلب في المقابل توفير هوامش أمان مالية لمواجهة التطورات غير المتوقعة، خصوصاً أن الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية.

ووفقاً لصالح، فإن استمرار حالة عدم اليقين لا ينبغي أن يقود إلى التخلي عن سياسة الانضباط المالي، مشدداً على أن المطلوب ليس زيادة الإنفاق لمجرد مواجهة آثار الأزمة، وإنما توجيه الإنفاق العام نحو الأولويات ذات الأثر الاقتصادي والتنموي الأكبر.

ونوه إلى أن "الافتراض النفطي يظل أحد أهم مفاتيح قراءة موازنة 2027"، موضحاً أن سعر النفط المتوقع وكميات التصدير يمثلان الأساس الذي تُبنى عليه قدرة الموازنة على تمويل الإنفاق العام، مبيناً أن اتساع الفجوة بين الافتراضات النفطية التي بُنيت عليها الموازنة والواقع الفعلي للأسواق يزيد الضغوط على المالية العامة.

وبحسب المستشار الحكومي، فإن التفاؤل المفرط بشأن أسعار النفط أو كميات التصدير قد يرفع مخاطر العجز، فيما قد يؤدي التحفظ المفرط إلى تقييد تمويل الإنفاق الضروري والاستثمار العام، مؤكداً أهمية اعتماد افتراضات نفطية واقعية ومحافظة، إلى جانب وضع سيناريوهات بديلة للتعامل مع انخفاض الأسعار أو تراجع كميات التصدير أو ارتفاع النفقات غير المتوقعة.

وأكد أن "الجانب الأكثر أهمية في موازنة 2027 يتمثل في أولويات الإنفاق الاستثماري"، موضحاً أن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق الاستثماري، وإنما بالقطاعات والمشاريع التي ستوجه إليها الموارد والعائد الاقتصادي والاجتماعي المتوقع منها.

ورأى صالح، أن مرحلة ما بعد الحرب والأزمة تتطلب توجيه الموارد نحو القطاعات القادرة على استعادة النشاط الاقتصادي وتعزيز النمو، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي تعالج الاختناقات الأساسية في الطاقة والنقل والمياه والبنية التحتية والخدمات، فضلاً عن المشاريع التي يمكن أن تسهم في تحريك القطاع الخاص وتوسيع قاعدة الإنتاج، مشيراً إلى ضرورة تحقيق توازن بين الإنفاق الاستثماري والتشغيلي.

وحذر من أن التوسع المستمر في النفقات التشغيلية يحد من الموارد المتاحة للاستثمار، في حين أن تقليص الإنفاق التشغيلي بصورة غير مدروسة قد يؤثر في قدرة مؤسسات الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، مضيفاً أن "التحدي الحقيقي أمام موازنة 2027 لا يكمن في حجم الأرقام وحدها، وإنما في مدى قدرتها على الصمود أمام المتغيرات".

وبين أن الملامح الأولية لموازنة 2027 "ستبقى قابلة للتغيير إلى أن يقرها مجلس الوزراء بصيغتها النهائية"، لافتاً إلى أن قراءة توجهاتها بصورة أدق ستكون ممكنة بعد إقرارها، من خلال مقارنة الإيرادات المتوقعة بسقف الإنفاق وحجم العجز والافتراضات النفطية وتركيبة الإنفاقين التشغيلي والاستثماري وأولويات البرامج والمشروعات.

وختم صالح بالقول إن الموازنة المقبلة تواجه "معادلة صعبة" تتمثل في الحفاظ على الانضباط المالي ومنع الهدر وتوفير التمويل للبرامج ذات الأولوية، مع ترك مساحة مالية لمواجهة تداعيات الحرب والاضطرابات الإقليمية، مبيناً أن نجاح موازنة 2027 لن يقاس فقط بالتوازن الحسابي بين الإيرادات والنفقات، وإنما بقدرتها على إدارة المخاطر وحماية الاستقرار المالي وتوجيه الموارد المحدودة نحو الاستخدامات ذات الأولوية.

هذا وحدد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، في وقت سابق من اليوم الأربعاء، خمس عقبات رئيسة تواجه موازنة العراق للعام المقبل، محذراً في الوقت ذاته من عجز مالي فيها قد يتجاوز 60 تريليون دينار عراقي.

يأتي هذا التصريح تزامناً مع عزم وزارة المالية العراقية إرسال مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027 إلى مجلس النواب في 15 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وفق ما أفاد به عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر في تصريح لوكالة شفق نيوز أول أمس الاثنين.

ويأتي شروع الحكومة بإعداد مشروع موازنة 2027 بعد عامين من غياب موازنة اتحادية نافذة بجداول مصادق عليها؛ إذ لم تُقر جداول موازنة عام 2025، كما لم يُقر قانون موازنة لعام 2026، رغم إقرار مجلس النواب قانون الموازنة الثلاثية للأعوام 2023 و2024 و2025.

وتعذر تطبيق موازنة عام 2025 بصيغتها المحدثة بعد عدم إقرار جداولها داخل مجلس النواب وانتهاء السنة المالية، ما دفع وزارة المالية إلى اعتماد آلية الصرف المؤقت بنسبة 1/12 استناداً إلى قانون الإدارة المالية لتأمين الرواتب والنفقات الحاكمة.

كما لم تُقر موازنة عام 2026 في ظل التعقيدات السياسية والضغوط الاقتصادية الناجمة عن التوترات الإقليمية وتقلبات أسواق الطاقة، ليستمر العراق في إدارة إنفاقه وفق آلية الصرف المؤقت بانتظار الموازنة الاتحادية الجديدة.