شفق نيوز/ كرمانشاه
تواجه الخيام السوداء للعشائر الرحّل في محافظة كرمانشاه الكوردية، غربي إيران، تراجعاً في استخدامها مع تغيّر أنماط الحياة وارتفاع تكاليف تربية المواشي، فيما يرى مختصون أن السياحة الثقافية قد توفر فرصة للحفاظ على هذا التراث وتنويع مصادر دخل الأسر العشائرية.
وبحسب تقرير لوكالة مهر الإيرانية، ترجمته وكالة شفق نيوز، تمثل هذه الخيام، المعروفة باسم "سياه چادر"، أحد أبرز مظاهر حياة الترحال في جبال زاغروس، وجزءاً من الثقافة الشعبية الكوردية في كرمانشاه، بما تختزنه من مهارات النسج والبناء والمعارف المرتبطة بالطبيعة.
وتُنسج الخيام من شعر الماعز، وتتميز بقابليتها للنقل وسرعة نصبها ومقاومتها للرياح والأمطار، ما جعلها ملائمة لتنقل العشائر بين مراعي الصيف ومناطق الإقامة الشتوية. وتتولى النساء نسج القطع التي تُوصل لتشكيل الخيمة، قبل تثبيتها بأعمدة خشبية وحبال وأوتاد.
وقالت مدرّسة السياحة والمرشدة فرشته أذره، إن قيمة الخيمة السوداء تتجاوز هيكلها إلى منظومة من العادات والمهارات تشمل تربية المواشي، والطعام، والحرف اليدوية، والملابس، والموسيقى، والروايات الشفوية.
وأوضحت أن استمرار هذا النمط من الحياة لدى بعض العشائر يتيح للسائح التعرف إلى ثقافة حية، من خلال مشاهدة إعداد الأطعمة وتصنيع منتجات الألبان ونسج الحرف اليدوية، والاستماع إلى قصص الترحال والتعرف إلى أساليب التكيف مع البيئة.
وترى أذره أن تنوع الطبيعة والمجتمعات المحلية في كرمانشاه، إلى جانب معالمها التاريخية، يسمح بربط زيارة الخيام بتجارب أوسع، مثل قضاء يوم مع العشائر أو المشاركة في الطبخ المحلي والحرف اليدوية، ضمن برامج تجمع السياحة الثقافية والطبيعية.
لكنها شددت على ضرورة الحفاظ على أصالة التجربة، وألا تتحول حياة العشائر إلى عرض مصطنع للسياح، مؤكدة أن تطوير هذا النشاط ينبغي أن يحترم خصوصية الأسر وأعمالها اليومية، مع تحديد أوقات الزيارة وضوابط التصوير والدخول إلى المساحات الخاصة بمشاركة المجتمع المضيف.
وأضافت أن استقبال الزوار يحتاج إلى طرق وصول آمنة، ومياه صالحة للشرب، ومرافق صحية، وإدارة للنفايات وخدمات للسلامة، إلى جانب تدريب المضيفين والمرشدين المحليين، وإعداد محتوى بلغات مختلفة، وتحديد أعداد الزوار بما يلائم موارد المنطقة وطبيعة الحياة فيها.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشارت أذره إلى أن بيع الحرف والمنتجات المحلية مباشرة، وتقديم الطعام وخدمات الإقامة والإرشاد، يمكن أن يبقي جزءاً أكبر من إنفاق السياح داخل المجتمع العشائري، ويوفر فرصاً للنساء والشباب، شريطة أن يكون لأصحاب هذه الثقافة دور في إدارة النشاط والاستفادة من عائداته.
في المقابل، حذّر الشاعر والكاتب ولي فولادي منصوري من تراجع المعارف المرتبطة بالخيمة السوداء، مع انتقال أسر إلى القرى والمدن وانخفاض إقبال الأجيال الجديدة على حياة الترحال.
وعزا هذا التراجع إلى صعوبات توفير المياه والأعلاف، وارتفاع تكاليف تربية المواشي والنقل، فضلاً عن تغيّر المناخ واشتداد الحرارة، وتفضيل أسر السكن الثابت وما يوفره من خدمات ووسائل راحة.
وأشار إلى أن الخيام ما تزال تُستخدم لدى بعض عشائر كرمانشاه، كما تحضر في المعارض والفعاليات الثقافية والرحلات، إلا أن انحسار استخدامها التقليدي يهدد استمرار مهارة نسجها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.
ودعا فولادي منصوري إلى توثيق هذه المعارف وتعليمها، ودعم النسّاجين والمنتجين بالتسهيلات والتمويل والتسويق، واقترح تسجيل الخيمة السوداء ضمن التراث غير المادي، مع الاستفادة من الجامعات والمؤسسات التعليمية في البحث والتدريب.
وأكدت أذره أن تحويل الخيام السوداء إلى عنصر جذب سياحي ينبغي أن يقوم على ثلاثة أسس، الأصالة الثقافية، وجودة التجربة، ومنفعة المجتمع المحلي، بما يربط الحفاظ على تراث زاغروس بتحسين فرص العيش لأصحابه.